يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل "الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين "[الزخرف ـ 67ـ] ويقول أيضاً جل جلاله: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" [التوبة ـ119ـ].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وأما أن تبتاع منه وإما أن تجد ريحاً طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً نتنه» [متفق عليه].
قرر علماء الاجتماع أن الإنسان في هذه الحياة يحتاج إلى جماعة ينتمي إليها وأصحاب يتوادد معهم، وذكروا بأن الإنسان اجتماعي بفطرته يميل نحو الآخرين يؤثر فيهم ويتأثر منهم وقرروا بأن المرء يتعلم من أصحابه في أحيان كثيرة كما يتعلم من والديه ومعلميه وربما تعلم من الأصحاب أكثر.
لذلك كانت هذه الخطبة المهمة في موضوع (الرسول الصاحب). لنتعلم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ نصاحب وكيف نصاحب لأن سيد الخلق وحبيب الحق هو قدوتنا وأسوتنا والواجب علينا إتباعه والإقتداء به .
إني نظرت في كتب السير والشمائل فوجدت أن رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم الصاحب يتسم بأربع خصال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار صاحبه.
2ـ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسن عشرة صاحبه.
3ـ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوصل أذىً إلى صاحبه.
4ـ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ويربي أصحابه.
ففي اختيار الصاحب كان صلوات الله عليه وسلامه عليه لا يطوي بِشْرَهُ عن أحدٍ غير أنه لا يستودع سره أي أحد. وكان عليه الصلاة والسلام يبتسم لكل أحد غير أنه لم يكن يقرب منه كل أحد.
فما كل الناس يصاحب، ولا كل الناس يصادق، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول:«المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» [أبو داوود الترمذي].
ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم: لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي» [أبو داود الترمذي] وتذكرون أيها الأخوة: أن الصحابة هاجروا من مكة إلى المدينة المنورة وأكثرهم هاجر قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وكان يستأذن النبَّي صلى الله عليه وسلم أحدهم فيأذن له بالهجرة ويدعو له لكن لما استأذنه أبو بكر الصديق قال له: على رسلك يا أبا بكر لعل الله يجعل لك صاحباً ـ يريد نفسه صلى الله عليه وسلم فقد اختار أن يهاجر معه وأن يكون معه في أخطر رحلة في التاريخ خيَر أصحابه إيماناً وصلاحاً وعقلاً وتدبيراً فاختيار الصاحب سمة العقلاء ومصاحبة من هبَّ ودبّ سمة الجهلاء وقد أشار الفضلاء إلى أربع صفات فيمن تختاره صاحباً لك فقالوا: ينبغي أن يكون صاحبك:
عاقلاً غير غافل تقياً غير فاسق حسن الخلق غير فاحش
غير حريص على الدنيا
وصاحب تقياً عالماً تنتفع به
فصحبة أهل الخير ترجى وتطلب
وإياك والفساق لا تصحبهم
فصحبتهم تعدي وهذا مجرب
واحذر مؤاخاة الدنيء فإنه
يعدي كما يعدي الصحيح الأجربُ
واختر صديقك واصطفيه تفاخراً
إن القرين إلى المقارن ينسب
وفي حسن عشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه به حديث طويل فقد كان صلى الله عليه وسلم يزور أصحابه و يتعهدهم ويتفقدهم ويسأل عنهم ويرحب بقادمهم ويكرم كريمهم ويواسي مريضهم ويعين محتاجهم ويمازحهم ويلاطفهم ويتواضع لهم ويرحمهم ويشاورهم ويشيع ميتهم. ولكل واحدة من هذه الخصال دليل من سيرته العطرة وحديثه الشريف.
فمن ذلك مثلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل عليه صاحبه عمار بن ياسر يقول له: مرحباً بالطيب المطيب ويدخل عليه صحابي آخر فيقول له: كيف أنت فيقول الرجل: بخير أحمد الله فيقول النبي صلى الله عليه وسلم جعلك الله بخير. وربما دخل عليه الرجل فيبسط النبي صلى الله عليه وسلم له رداءه يجلسه عليه ويجلس النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض إكراماً لصاحبه. ويكون مع أصحابه في سفر فيذبحون شاة فقال واحد منهم عليّ ذبحها وقال الآخر عليّ سلخها وقال الثالث علي طبخها فقال صلى الله عليه وسلم وعلي جمع الحطب فقالوا: يا رسول الله: نحن نكفيك العمل فقال:علمت أنكم تكفوني ولكني أكره ان أتميز عليكم وإن الله سبحانه يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه. ونحو هذا كثير في حسن عشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أما في كونه صلى الله عليه وسلم لا يوصل أذى إلى صاحبه فما كان صلى الله عليه وسلم يؤذي أحداً بلسانه أو بيده كيف وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» [البخاري] .
فما كان صلى الله عليه وسلم سبّاباً ولا فحّاشاً ولا طعّاناً ولا لعّاناً، لا يسخر من صاحب ولا يستهزئ به ولا يغتاب أحداً ولا ينم على أحد بل لا يسمح لأحد أن يغتاب عنده صاحباً مراعاة لحرمة صاحبه في غيابه قال مرة في أحد مجالسه:«لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» [أبو داود والترمذي]
لعل لهذه الأخلاق النبيلة الكريمة من طلب الخير وعدم جلب الشر لأصحابه أحبَّ الصحابةُ الكرام سيَّدنا محمداً صلى الله عليه وسلم أكثر من حبهم لأنفسهم وفدوه بآبائهم وأمهاتهم وأولادهم .
أما الأمر الرابع والأخير: فهو تعليمه صلى الله عليه وسلم أصحابه وتربيته لهم بلطف وحنانٍ ورحمة فما كان يسكت على خطأ كان يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر وكان يبادر إلى ذلك برحمة وحكمة وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الأصحاب والأصدقاء. فصديقك من صدَقَك لا من صدّقك.
ومن أجمل وألطف ما قرأته في نصححه صلى الله عليه وسلم أصحابه وتعليمه وتربيته لهم قصته صلى الله عليه وسلم مع خوات بن جبير. فخوات صحابي أنصاري شاب وسيم وجميل ممتلئ حيوية ونشاطاً كان عذب الصوت حلو اللحن، يقول خوات فيما يرويه الطبراني:
نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران فخرجت من خبائي فإذا أنا بنسوة يتحدثن فاعجبنني فرجعت فاستخرجت عيبتي فاستخرت منها حلة فلبستها وجئت فجلست معهن وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبته فقال: يا أبا عبد الله ما يجلسك معهن فلما رأيت رسول الله هبته واختلطت قلت يا رسول الله جمل لي شرد وأنا أبتغي له قيداً فمضى واتبعته فألقى رداءه ودخل الأراك فقضى حاجته وتوضأ فأقبل والماء يسيل من لحيته على صدره فقال: يا أبا عبد الله ما فعل شراد جملك ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال السلام عليك يا أبا عبد الله ما فعل شراد جملك فلما رأيت ذلك تعجلت إلى المدينة واجتنبت المسجد ومجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ولما طال ذلك تحينت ساعة خلوة بالمسجد فأتيت المسجد فقمت أصلي وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض حجره فجاء فصلى ركعتين خفيفتين وطولت رجاء أن يذهب ويدعني فقال: طَوَّلْ يا أبا عبد الله ما شئت أن تطوّل فَلَسْتُ ذاهباً حتى تنصرف فقلت في نفسي والله لأعتذرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبرئن صدره فلما انصرفت قال: السلام عليك يا أبا عبد الله، ما فعل شراد جملك، فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت، فقال: رحمك الله رحمك الله رحمك الله ثم لم يعد لشئ مما كان عليه.
روى الإمام الحافظ الطبراني في المعجم الكامل المعاني
كان النبي سارياً عشياً أكرم به معلماً نبياً
معه من صحبه خّوات وكل صحب المصطفى ثقات
وكان قرب الحيّ بعض النسوة لهن في أمثالهن قدوة
فذهب النبي يقضي حاجته وظل خوات يريد غايته
وسار خوات إلى الصبايا مبتسماً في مشية السرايا
وبدأ الحديث والكلام وانكشف الغرام والهيام
وبينما الفتى يطيل شاكياً في وصف أحوال الهوى تباكياً
ما راعه إلا النبي المصطفى إلى جوار رأسه قد وقف
خوات ما تبغى من البنات ولم تركت العير في الفلاة
فقال مهلاً يا رسول الله ويا أمان الناس يوم الله
ضلّ بعيري فأنا أطلبه وقال يا نسوة من تركبه
ووجهه وعينهن خائفة كأنما قد زلزلوا براجفة
وقال: قم هديت يا خوات العير لا تركبه البنات
وانطلقا وعينه مرتبكه كأنه سمكة في شبكة
وصار بعد كلما رآه يقبل في ابتسامة يلقاه
وجدت عيرك الذي فقدت أم لا يزال عندهن نعته
فيخجل الغلام أي خجل وحاله يقول حان أجلي
ولم يزل كذاك حتى عُرِفَ في الناس أنه نجى المصطفى
وكان يوماً عند باب المسجد فلمح المختار من لمح اليد
فعاد للمسجد في استعجال واستقبل القبلة في جلال
وبدأ الصلاة في خشوع يطول في السجود والركوع
والمصطفى المختار في انتظاره مستنداً إلى جدار داره
خوات طوّل ما تشاء فيها فإنني باقٍ وقد أحييها
لن أبرح المسجد حتى أسألك إن كنت قد وجدت بعدي جملك
فعلم الفتى بأن لا فائدة فاختصر الصلاة دون زائدة
سأله المعلم الودود خوات أين الجمل الشرود
فرجفت عين الفتى وقلبه وضاع منه زاده ودربه
وقال لابد من الإقرار الذنب لا يمحى بلا استغفار
ما ضاع لي أي بعير شردا بل ذاك جهل كان مني قد بدا
أعاهد الله فلا أعيدها فلتة جهل لم أكن أريدها
وصلحت من بعد أحوال الفتى إن غاب عنه المصطفى أو إن أتى
وصار من أجلّة الأصحاب فاعبروها يا أولي الألباب
هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الصاحب. يختار صاحبه ـ لا يوصل الأذى إلى صاحبه ـ يعلم ويربي صاحبه إذا لم تحفظ هذه الأربع فاحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: «خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه» [الترمذي].

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق