يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون" [الجمعة ـ 10 ـ] ويقول عز وجل "وجعلنا النهار معاشاً" [النبأ ـ11ـ] .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّ الله يحب العبد المحترف ومن كدَّ على عياله كان كالمجاهد في سبيل الله» [أحمد].
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «طلب الحلال فريضة بعد الفريضة» [الطبراني والبيهقي]
هذه الخطبة أعددتها لكل شاب مقبل على العمل ولكل عامل ولكل موظف ولكل تاجر.
وقد حدثتكم عن الرسول الزوج وعن الرسول الأب وعن الرسول الصاحب ووعدتكم أن يكون الحديث القادم عن الرسول التاجر ليتأسى كل تاجر بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وليقتدي كل عامل برسول الله صلى الله عليه وسلم وليتعلم كل موظف من سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وفي بحثي في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديثه عن الرسول التاجر وجدت أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم في أثناء عمله كان يتصف بأربع صفات .
1ـ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل بيده ويدعو أصحابه إلى العمل.
2ـ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تاجراً يعمل في الحلال ويجتنب الحرام.
3ـ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تاجراً يتخلق بأخلاق الإسلام.
4ـ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تاجراً لا تمنعه تجارته عن إقامة شعائر الله.
ففي عمله صلى الله عليه وسلم ودعوته إلى العمل كان يعلم أصحابه بأن العمل من سنن الله عز وجل في إعمار الأرض ويعلمهم أن الله يحب المحترف ولا يحب البطال من عباده. يقول لهم «ما أكل أحد طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل يده» [البخاري]. ويقول لهم صلى الله عليه وسلم «إذا فتح لأحدكم رزق من باب فليلزمه» [البيهقي] يحدثهم عن الأنبياء ويذكر لهم أعمالهم. فنوح عليه السلام و زكريا عملا في التجارة وآدم وأيوب عليهما السلام عملا في الزراعة وإدريس في الخياطة وداود في صناعة الدروع وكان يوسف موظفاً عند عزيز مصر بل إنه صلى الله عليه وسلم نفسه عمل في رعي الغنم حيناً من الدهر وعمل في التجارة حيناً آخر.
قال ابن اسحاق : كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضار بهم إياه بشيء تجعله لهم وكانت قريش قوماً تجاراً فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له: ميسرة فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وخرج في مالها ذلك وما كان صلى الله عليه وسلم يخجل من عملٍ عمله ليحصّل فيه رزقاً ما دام في الحلال فقد قال لأصحابه ذات يوم كما يروي البخاري:«ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم فقال أصحابه وأنت فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة»
كان رسول الله في شبابه لا يدع الرزق وطَرْقَ بابه
كان قبيل البعث ربَّ مال وتاجراً ميسر الأعمال
يضرب في ضرب الفلاة وسهله بمال عمه ومال أهله
مبارك الرحلة والإقامة مستصحب الجد والاستقامة
وليس للتاجر من ضمانة أبقى ولا أوفى من الأمانة
والرزق لا يُحْرَمُهُ عبدٌ سعى مضيقاً عليه أو موسعاً
موسى الكليم استؤجرا استئجار وكان عيسى في الصبا نجاراً
من أحسن الأمثال فيما أحسب (الخبز لا يُعْطَى ولكن يُكْسَبُ)
فالأمر الأول في الرسول التاجر أن رسولنا صلى الله عليه وسلم كان تاجراً يعلم بيده ويدعو أصحابه إلى العمل والأمر الثاني أنه صلى الله عليه وسلم كان تاجراً يعمل في الحلال فقد سبق أن قريشاً كانت تعمل في التجارة ومن أهم تجاراتها تجارة الخمر التي كانت رائجة رابحة تلك الأيام تدر على أصحابها المئات والألوف. ومن أهم تجاراتها أنها كانت تتعامل بالربا يقرض الرجل الرجل فالأعلى أن يؤدي بعد حين زيادة في رأس المال فما كان صلى الله عليه وسلم يعمل في الحرام أبداً وإن ساق له الأرباح الطائلة والألوف المؤلفة. وما كان صلى الله عليه وسلم يتعامل في الربا أبداً بل أنه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع عندما خطب خطبته الشهيرة قال:«وربا الجاهلية موضوع وأول رباً أضع ربانا ربا عمي العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله»[مسلم] فالتاجر المسلم العامل المقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في الحلال ولا يعمل في لحرام.
شعاره: الحلال بيّن والحرام بيّن. شعاره: أما الحرام فالممات دونه.
الأمر الثالث في الرسول التاجر: أنه صلى الله عليه وسلم كان تاجراً يتخلق بأخلاق الإسلام من صدق وأمانه ووفاء بعهد ووعد وترك الغش والحلف الكاذب وكيف لا يكون كذلك وهو الذي خرج يوماً إلى أصحابه فقال:«إن التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقيين والشهداء » [الترمذي]. وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : «إن التجار يبعثون فجاراً يوم القيامة إلا من اتقى الله وبَرَّ وصدق» [الترمذي]
ولذلك كلنا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُدْعَى قبل البعثة بالصادق الأمين.
وحدث الإمام أحمد في مسنده وابو داوود في سننه عن السائب بن أبي السائب وكان شريك النبي صلى الله عليه وسلم في تجارته حيناً قال السائب: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا يثنون علي ويذكروني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أعلمكم به قلت: صدقت بأبي وأمي كنت شريكي فنعم الشريك كنت لا تداري ولا تماري» ومعنى لا تداري: أي لا تخالف ولا تمانع . ومعنى لا ماري: أي لا تجادل ولا تخاصم. وهذه هي أخلاق التاجر المسلم: صادق ـ أمين ـ بار ـ سمح ـ مترفع عن الغش والخيانة والخديعة والخصام.
أما الأمر الرابع والأخير في الرسول التاجر: فقد دكان صلى الله عليه وسلم تاجراً لا تمنعه تجارته عن إقامة شعائر الله من صلاة وصيام وزكاة وحج وتعليم للخلق. وذات يوم وبينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة على منبره قائماً إذ قدمت عير المدينة تحمل تجارة وطعاماً فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجوا من المسجد بعضهم يريد أن يشتري وبعضهم يريد أن ينظر وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر تركوا مجلس العلم وتركوا الصلاة لأجل أعمالهم وتجاراتهم حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً فيهم جابر بن عبد الله وأبو بكر وعمر فأنزل الله تعالى :"وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين" [الجمعة ـ11ـ]. ويومه قال عليه الصلاة والسلام كما يروي الإمام السيوطي: لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً" [متفق عليه].
فإن كنت تاجراً مسلماً فما ينبغي أن تمنعك تجارتك عن إقام الصلاة.
وإن كنت عَاْمِلاً مؤمناً فلا يستقيم أن يحجبك عملك عن الحضور في مجالس العلم.
وإذا كنت موظفاً صالحاً فليس من شيمتك ترك الفرائض التي فرضها الله عليك لأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان لا تمنعه تجارته عن إقام شعائر الله.
هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم التاجر. وسبق الحديث عن الرسول الزوج والرسول الأب والرسول الصاحب فإن أجبتموه فاتبعوه وإن أردتم ورود حوضه فأطيعوه.
قال صلى الله عليه وسلم:"خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح" [أحمد].
وقال أيضاً صلوات الله عليه وسلامه عليه: "أفضل الكسب بيع مبرور وعمل الرجل بيده" [أحمد]. أو كما قال صلى الله عليه وسلم اللهم صل على سيدنا محمد كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون.
والحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق