أخبار قناة العربية

Chat With Your Friends Freely And Openly .. No Limit For Time

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 15 يونيو 2010

تشارلس ديكنز .. قصة مدينتين

انكسر برميل مملؤ بالنبيذ الأحمر في احد شوارع حي (سانت انطوان ) الذي يعتبر من أفقر أحياء مدينة باريس و أكثرها بؤسا.. وعلى الفور ترك جميع الناس أعمالهم وأسرعوا إلى حيث تحطم البرميل.. واخذوا يحاولون شرب قطرات النبيذ قبل أن تبتلعها الأرض, وخلع بعضهم ثيابه واخذ يغمسها في النبيذ المسكوب ثم يعصرها في فمه..
وعلى ناصية الشارع كان هناك حانة فقيرة يقف أمام بابها صاحبها.. ( المسيو ديفارج )
بينما كانت زوجته ( مدام ديفارج ) منهمكة بشغل الإبرة بداخل الحانة.. وبعد لحظات وصل رجل عجوز هو ( مستطفولتها.لورى ) ومعه شابه صغيرة اسمها الآنسة لوسى مانيت.. ولهذه البائسة قصة غريبة بدأت في طفولتها .. حين ماتت أمها.. وبعد أن اختفى أبوها الدكتور مانيت.. ولم يعد احد يعرف مصيره.. وقد أرسلت الطفلة لوسى إلى انجلترا.. حيث كان أبوها يحتفظ بأمواله في بنك انجليزى هو ( بنك تلسون )
وتم تعيين المستر جارفيس لورى الذي كان يعمل بنفس البنك والذي كان صديقا للدكتور مانيت.. وصيا على هذه الطفلة وتولى العناية بمنشئتها وتعليمها.. وقد استعان المستر لورى بسيدة إنجليزية تدعى..مسز بروس.. لتقوم بتربية الطفلة ورعايتها.. فقامت هذه السيدة بواجبها خير قيام..حتى أصبحت بمثابة ألام للطفلة اليتيمة.. ومرت السنوات الطوال وأصبحت الطفلة لوسى شابة رقيقة جميلة
كان الجميع يظنون أن الدكتور مانيت قد توفى بعد أن انقطعت أخباره.. ولكن أخبارا جديدة وصلت تؤكد أن الدكتور مانيت مازال حيا.. وانه كان مسجونا بسجن الباستيل بباريس.. وقد أطلق سراحه أخيرا وانه الآن في رعاية المسيو ديفارج.. صاحب الحانة والذي كان يعمل من قبل في خدمة الدكتور
لذلك فقد جاءت الآنسة لوسى مانيت ومعها المستر لورى.. للقاء بوالدها وبحث أحواله.. التي سمعت إنها سيئة إلى حد كبير, وأخذهما مسير ديفارج إلى حجرة صغيرة بأعلى الحانة.. وما أن فتح باب تلك الحجرة حتى أصيبت لوسى بالخوف والهلع.. حين رأت أباها الدكتور وقد ابيض شعره وانحنى ظهره.. وكان منهمك في صناعة الأحذية مستخدما منضده صغيرة عليها عدده وأدواته
كان منظر الدكتور في غاية البؤس, وهو منكب على صناعة حذاء حريمي لدرجة انه لم يلحظ أحدا ممن دخلوا إلى حجرته يريدون الحديث معه
تقدم صديقه العجوز مستر لورى.. إليه.. وسأله في صوت هادىء ألا تذكرني.. فلم يرد وسأله.. ما أسمك.. فقال بصوت ضعيف.. اسمي مائة وخمسة البرج الشمالي وكان يشير بهذا إلى رقم الزنزانة التي سجن فيها بسجن الباستيل الرهيب
وسأله هل كانت صناعة الأحذية هي حرفتك بالسجن.. وأخيرا قال مستر لورى.. يا صديقي الدكتور مانيت ألا تذكرني ؟ أنا جارفيس لورى.. صديقك الموظف ببنك تلسون بانجلترا
نظر إليه الدكتور المسكين بضعف وانكسار.. ثم انهمك من جديد في صناعة الحذاء.. وعندئذ اقتربت منه ابنته لوسى وملء عينيها العطف والشفقة..ووضعت يدها بحنان فوق ذراعه.. فالتفت إليها وسألها هل أنت ابنة سجاني في الباستيل ؟.. ثم بدأ ينظر إليها في اهتمام.. ويتحسس شعرها الذهبي ويبدو كما لو انه أفاق على حقيقة غريبة.. ومد يده إلى صدره.. واخرج قطعة ملفوفة من القماش.. يحتفظ بداخلها ببضع شعيرات ذهبية.. واخذ يتفحصها ويقارنها بشعر لوسى وبدت على وجهه كل مظاهر الحيرة..
وهنا قالت لوسى بعدبعد.مت راس أبيها إلى صدرها.. ستعرف من أنا فيما بعد .. ولكني أرجوك الآن أن تمنحني بركاتك.. وان تشكر الرب على نجاتك من تلك المحنة الرهيبة.. سآخذك معي إلى انجلترا لتعيش في سلام.. وذهب مستر لورى ومسيو ديفارج للإعداد لرحلة السفر الطويلة.. وبقيت الآنسة لوسى مع والدها الدكتور مانيت.. الذي نام على ذراعها كطفل صغير بريء.. وعندما عاد الرجلان أيقظاه وألبساه ملابس جديدة.. ووضعت لوسى يدها في يده و ساعدته على نزول درجات السلم..
وفى محكمة اولد بيلى بلندن.. انعقدت جلسة خاصة لمحاكمة شخص يسمى ( تشارلس دارنى )
كان متهما بجريمة .. مساعدة أعداء ملك انجلترا بناء على شهادة الشهود الذين كانوا حاضرين بالجلسة.. وكان الدكتور مانيت وابنته لوسى ضمن هؤلاء الشهود.. الذين ذكروا أنهم شاهدوا المتهم على ظهر السفينة التي كانت مبحرة من فرنسا إلى انجلترا.. وحاول النائب العام أن يثبت بكل الطرق أن المتهم قد ارتكب تلك الجريمة.. ولكن مستر سترايفر محامى المتهم قد فند أقوال جميع الشهود وافسد شهادتهم وأوضح عدم كفايتها..وبذلك انتهى المحلفون إلى قرارهم بأن المتهم غير مذنب..
ولكن الآنسة لوسى تأثرت جدا وأغمى عليها.. لأنها شعرت بأن شهادتها التي ذكرتها أمام المحكمة.. رغم أنها لم تكن تدين المتهم إلا أنها قد تتسبب في إيذائه.. وذلك بالرغم من أن تشارلس دارنى هذا.. كان نبيلا في تصرفه معها.. بل وساعدها كثيرا في رعاية والدها أثناء الرحلة على ظهر السفينة.. وكان من الواضح أن شيئا ما من العواطف الرقيقة قد ربط بين الاثنين.. تشارلس دارنى ولوسى مانيت ..
سيدنى كارتون هو مساعد المستر سترايفر المحامى .. وقد بذل جهدا كبيرا في المساعدة أثناء نظر القضية .. حتى حكم في النهاية ببراءة مستر دارنى من التهمة التي كانت موجهه إليه..ومن الغريب إن مستر كارتون يحس بشيء من عدم الارتياحتماما.ة بين مستر دارنى ولوسى مانيت..
وكان الدكتور مانيت قد عاد الآن إلى حالته الطبيعية تماما .. واخذ يمارس مهنة الطب في لندن.. ويقابل مرضاه في البيت الذي استأجره هناك .. ومع ذلك فقد كان الجميع يعاملونه بلطف شديد .. خوفا من أن تعود إليه حالة فقدان الذاكرة التي انتابته حينما كان مسجونا بالباستيل بباريس..
وكان أكثر الضيوف ترددا على منزل الدكتور مانيت وابنته هم المستر كارتون والمستر لورى.. والمستر تشارلس دارنى..
بعد عدة شهور من رحيل الدكتور مانيت إلى انجلترا.. وقعت إحدى الحوادث البشالفخمة.ينة باريس.. حيث داست عجلات العربة الفخمة..التي كانت يستقلها الماركيز ايفرموند.. على طفل صغير فقتلته.. لقد كانت العربة منطلقة بأقصى سرعة في شوارع باريس..وحواريها الضيقة المملوءة بالرجال والنساء والأطفال.. من أبناء الشعب الفرنسي الفقير البائس.. الذين يبدون جميعا كالعبيد أمام النبلاء في فرنسا..
توقفت عربة الماركيز ايفرموند قليلا.. بعد أن مات الطفل المسكين.. الذي حمله أبوه بين يديه وهو يبكى بكاء مرا.. لم يهتم له الماركيز الذي اخرج كيس نقوده.. وألقى بقطعة ذهبية على الأرض كتعويض عن مقتل الطفل المسكين.. وانطلقت العربة بعد ذلك خارجة من باريس.. ايفرموند. الريف حيث وصلت إلى المنطقة التي يقع فيها قصر الماركيز.. ايفرموند .. مارة بقرية صغيرة.. يعيش فيها عدد قليل من البؤساء الذين يعانون من دفع الضرائب الفادحة.. التي تفرضها عليهم الدولة والكنيسة.. وكان احد هؤلاء البؤساء هو عامل إصلاح الطرق.. الذي شاهد رجلا غريبا كان متعلقا بسلسلة أسفل عربة الماركيز.. واخبر الماركيز بذلك.. وطلب الماركيز ايفرموند من وكيله مسيو جابيل.. أن يحاول القبض على هذا الرجل..
وأخيرا دخل الماركيز إلى قصره.. وقال للخدم انه يتوقع وصول ابن أخيه من لندن إلى القصر.. وعرف من الخدم انه لم يصل بعد
وبينما كان الماركيز يتناول طعام عشائه .. وصل ابن أخيه.. لقد كان هو نفس الشخص الذي يعيش في لندن باسم تشارلس دارنى.. بينما اسمه الحقيقي هو تشارلس سانت ايفرموند.. وهو نبيل ينتمي إلى تلك العائلة الفرنسية .. التي يرأسها الماركيز .. وكان من الواضح أن الماركيز .. وابن أخيه الذي ترك كل أمواله .. وأملاكه في فرنسا كانا على غير وفاق.. وكان الشاب دارنى رافضا تماما تلك الغطرسة التي يتمتع بها نبلاء فرنسا .. فترك فرنسا وعمل في انجلترا كمدرس للغة الفرنسية ..
وفى الصباح الباكر وجد الماركيز مقتولا بسكين .. مغروس في قلبه وعلقت به ورقة تقول : هكذا انتقم جاكوس .. أرسلوه سريعا إلى قبره ..
وعاد تشارلس دارنى إلى انجلترا مرة أخرى .. حيث انتقل للعمل في جامعة كمبردج كمدرس للغة والآداب الفرنسية .. وبمرور الشهور تمكن الحب من قلبه وأصبح يتمنى الزواج من الآنسة لوسى .. ابنة الدكتور مانيت .. وصرح لوالدها بأن هذا الحب والزواج إن تم فلن يكون سببا للفراق بين الدكتور وابنته
ولكي يكون دارنى صادقا مع الدكتور فقد اعترف له بأن اسم دارنى ليس اسمه الحقيقي .. بل أن له اسما فرنسيا مختلفا .. فطلب منه الدكتور ألا يبوح الآن باسم عائلته واسمه الحقيقي .. واكتفى الاثنان بالاقتناع بأنهما فرنسيان خرجا من فرنسا .. لعدم استطاعتهما العيش داخل الأحوال السيئة السائدة الآن في بلدهما و التي تسوء يوما بعد يوم وتوشك على الانفجار من شدة الظلم الواقع على الشعب .. وقبل أن يفترق الاثنان .. وافق الدكتور لمستر دارنى على أن يفاتح لوسى في حبه لها وطلب الزواج منها ....
ومن الغريب أن المستر كارتون الذي يعمل مساعدا لمستر سترايفر المحامى كان يحب لوسى مانيت هو الأخر.. بل واعترف له بحبه وتجرأ على طلب الزواج منها .. ولكنها أخبرته في لطف وأدب شديد أنها تحترمه ولكنها لا تحبه.. ولا تستطيع أن تقبل الزواج منه .. فبكى مستر كارتون من شدة التأثر.. وطلب منها أن تحتفظ بذكرى هذا الاعتراف كسر لا يعرفه احد سواهما .. فوعدته بذلك .. واقسم لها بأنه سيظل مستعدا طول عمره لفدائها وفداء جميع من تحبهم الآن ومن سوف تحبهم في المستقبل ..
وفى فرنسا علم أهالي حي سانت انطوان ..بأن والد الطفل الذي قتل تحت عجلات عربة الماركيز .. قد قبض عليه بتهمة قتل الماركيز .. وشنقوه بنفس القرية التي يقع بها قصر الماركيز ايفرموند .. وأصبح من الواضح الآن أن مسيو ديفارج .. صاحب الحانة في حي سانت انطوان يترأس جماعة من أفراد الشعب الذين امتلأت قلوبهم بالحقد على طبقة النبلاء .. والذين قرروا فيما بينهم قتل وإبادة جميع أفراد عائلة ايفرموند ..وان يحرقوا القصر الذي تعيش فيه هذه العائلة النبيلة الظالمة ..
وفى انجلترا تزوج النبيل الفرنسي السابق .. تشارلس سانت ايفرموند ..الذي يعيش في انجلترا باسم آخر وهو تشارلس دارنى .. من الآنسة لوسى مانيت .. وأنجبا طفلة جميلة .. وكان يزورهما بين حين وآخر .. مستر كارتون ومستر لورى العجوز .. الذي ما زال يعمل في بنك تلسون لندن ..
وفى يوم ما قال المستر لورى ..أن الأحوال قد ساءت جدا في فرنسا .. وان معظم الملاك والنبلاء الفرنسيين . اخذوا يحولون أموالهم إلى انجلترا .. هربا من حالة الغليان التي أصبحت موشكة على الانفجار ..
بل لقد حدث الانفجار بالفعل في حي سانت انطوان .. وخرج الشعب مسلحا بكل ما وصلت إليه أيادي الناس.. من كل أنواع السلاح .. واندفعوا تحت قيادة المسيو ديفارج صوب سجن الباستيل.. وهاجموه وأشعلوا فيه النيران وأطلقوا سراح المسجونين .. وقبضوا على جميع ضباط السجن وقتلوا مديره .. وطلب المسيو ديفارج من احد الضباط الأسرى .. أن يريه الزنزانة مائة وخمسة البرج الشمالي .. وهى الزنزانة التي كان الدكتور مانيت مسجونا فيها .. وقام هو ورفاقه بتفتيش الزنزانة .. واحرقوا محتوياتها ثم خرجوا إلى حيث انطلق الشعب بادئا الثورة الفرنسية .. واخذوا يحطمون كل شيء بلا رحمة ولا شفقة ..
وانتقلت أخبار الثورة من باريس إلى المدن الفرنسية الصغيرة .. حيث اشتعلت الثورة في كل مكان .. وفى القرية التي يقع فيها قصر الماركيز ايفرموند .. تجمع الشعب وأشعل النار في القصر .. وخصوصا المسيو جابيل الذي كان يعمل وكيلا ومحصلا للضرائب لصالح عائلة الماركيز .. والذي استطاع أن ينجو من الموت والشنق بأعجوبة
وفى لندن كان بنك تلسون الذي يعمل به لورى العجوز مزدحما بالنبلاء الفرنسيين الذين حولوا أموالهم إليه .. وكان البنك بالتالي مصدرا مهما لأخبار الثورة التي اشتعلت في فرنسا .. وأصبح من الضروري أن يسافر احد كبار موظفي البنك إلى فرنسا .. ليحاول إنقاذ سجلات ودفاتر فرع بنك تلسون بباريس .. وقرر مستر لورى العجوز أن يذهب بنفسه .. لإنجاز هذه المهمة .. وحاول تشارلس دارنى أن يثنيه عن ذلك .. بسبب صعوبة الطريق ومشقة الرحلة إلى باريس.. وسط القلاقل والاضطرابات والمجازر وأعمال الشنق..التي سادت في كل أنحاء فرنسا ...
وفى هذه الأثناء ,, وقع تحت يد تشارلس دارنى خطاب .. موجه إلى تشارلس سانت ايفرموند .. أى أن هذا الخطاب كان موجها إليه هو نفسه .. ولكن لا احد يعلم اسمه الحقيقي .. وقام تشارلس دارنى بفض هذا الخطاب .. وقراءته .. فإذا به يتضمن رسالة كتبها المسيو جابيل .. الذي كان يعمل وكيلا لعائلة ايفرموند .. يبلغه فيها انه مسجون الآن في سجن الابايى .. وينتظر الحكم بإعدامه بين حين وآخر .. إلا إذا عاد تشارلس ايفرموند إلى فرنسا وعمل على إظهار براءته وإطلاق سراحه.. وفى نهاية الخطاب توسل المسيو جابيل .. وطلب من تشارلس ايفرموند أن يحضر على الفور لإنقاذ حياته ..
ولهذا فقد قرر تشارلس هو الأخر أن يذهب لإنجاز هذه المهمة ..ولكنه قرر أيضا إلا يخبر احد بعزمه على هذا السفر الفجائي إلى فرنسا .. حتى بالنسبة إلى زوجته لوسى والدكتور مانيت ..
بعد أن وصل تشارلس ايفرموند إلى فرنسا لاحظ على الفور أن الأحوال قد تغيرت تماما.. وان الثوار قد أصدروا قوانين جديدة .. تم بمقتضاها إلقاء القبض عليه وإيداعه بسجن لافورس توطئة لمحاكمته وإعدامه بتهمة انه ارستقراطى مهاجر ..
ولم يمر وقت طويل .. حتى فوجىء المستر لورى .. الذي كان قد وصل إلى باريس قبل وصول تشارلس دارنى بيوم واحد .. بدخول الدكتور مانيت وابنته لوسى زوجة تشارلس دارنى إليه في مكتبه بفرع بنك تلسون بباريس وذلك بعد أن وصلت اليهما بلندن أخبار القبض على مستر دارنى ..
كان الدكتور وابنته منزعجين وخائفين من المصير الذي يتوقعه المستر دارنى .. ومع ذلك فقد أعلن الدكتور مانيت بأنه قادر على إنقاذ زوج ابنته .. باعتباره كان سجينا سابقا بسجن الباستيل .. الأمر الذي سيجعله محل فهم وتعاطف مع الشعب الثائر ..
وكان الثوار يهاجمون قصور النبلاء والنبيلات ويعيثون فيها أعمال الحرق والهدم ..والنهب والقتل والابادة .. بل وكانوا يهاجمون السجون التي وضع بها أفراد طبقة النبلاء تمهيدا لمحاكمتهم توطئة للإطاحة برأسهم تحت نصل المقصلة .. ويقومون بقتل هؤلاء المسجونين من الرجال والنساء والاطفال.. ,, وسالت الدماء انهارا في كل مكان تحت شعار.. الحرية .. الاخاء .. المساواة ..
نجح الدكتور مانيت بالفعل في تقديم نفسه للثوار باعتباره سجينا سابقا بسجن الباستيل الرهيب ..
فاعتمد عليه الثوار ووثقوا فيه .. ومع ذلك فلم يتمكن الدكتور من اطلاق سراح زوج ابنته تشارلس ايفرموند..المدعو تشارلس دارنى .. ولم ينجح إلا في الابقاء عليه بعيدا عن شبح التهديد بالقتل.. إلى أن تجرى محاكمته طبقا للقوانين الجديدة ..
ومر أكثر من عام والسجين تشارلس ايفرموند ينتظر المحاكمة في سجن لافورس .. وفى أثناء ذلك وصل من انجلترا كل من مس بروس ومعها الطفلة لوسى الصغيرة ابنة تشارلس كما وصل أيضا المستر كارتون ...
وأخيرا تمت المحاكمة وسط جو صاخب اشترك فيه جمهور غفير من الرجال والنساء ..
من احط طبقات الشعب في باريس .. وكان هؤلاء الناس يصرخون فرحا كلما صدر حكم بالاعدام .. ويبتهجون بمرأى الرؤوس حين تطير من رقاب الضحايا وتنهمر سيول الدماء ...
ومع ذلك فبفضل الشهادات التي شهد بها كل من الدكتور مانيت والمسيو جابيل .. الذي اطلق سراحه اخيرا من سجنه .. برأت ساحة تشارلس ايفرموند .. من كل تهمة .. وصدر الحكم باطلاق سراحه فورا .. وكانت فرحة عارمة اشترك فيها الجميع ...
ولكن لم تمض سوى ساعات قليلة على الحرية التي حصل عليها تشارلس ايفرموند .. وبينما كان يجلس هانئا مع زوجته وابنته .. وصل رجال غلاظ مسلحون بالسيوف والمسدسات والقوا القبض على تشارلس ايفرموند المدعو دارنى مرة أخرى ..
وكانت تهمته هذه المرة انه عدو للجمهورية الفرنسية ..وانه من طبقة النبلاء وفرد من عائلة ايفرموند التي مارست أعمال الظلم بوحشية فظيعة ضد الشعب الفرنسي ...
أثناء المحاكمة ظهرت الكثير من الحقائق عن الفظائع التي ارتكبتها هذه الاسرة فعلا في حق الناس .. بل وكان الدكتور مانيت نفسه احد ضحاياها .. حيث تسبب بعض أفراد هذه الاسرة في ادخالة إلى سجن الباستيل بتهمة طالمة ملفقة .. وبعد تحقيقات واستجوابات مرهقة .. صدر حكم المحكمة باعدام تشارلس ايفرموند المدعو دارنى بالمقصلة في ظرف اربع وعشرين ساعة ...
وخلال تلك الساعات الاربع والعشرين .. حدثت مجموعة من الاحداث الغريبة .. التي غيرت مجرى القصة تماما .. فقد تمكن المستر كارتون من التسلل إلى الزنزانة التي سجن بها تشارلس دارنى .. وتبادل الاثنان ملابسهما وذلك بعد أن قرر المستر كارتون أن يضحى بحياته من اجل من يحب ..
وتمكن تشارلس دارنى و زوجته لوسى مانيت وابنته الصغيرة ومعهم الدكتور مانيت و المستر لورى من الهرب إلى انجلترا ولحقت بهم أيضا مس بروس .. بعد أن وقعت بينها وبين المرأة المتوحشة مدام ديفارج معركة انتهت بمقتل المرأة النهمة التي تسببت في الاطاحة بمئات من الرؤوس تحت نصل المقصلة .. وكان من نتيجتها أيضا أن فقدت مس بروس سمعها بفعل طلقة من المسدس الذي كانت تحمله مدام ديفارج .. فقد كانت الطلقة قريبة جدا من اذنها ..
تمــــــــــــــــــــــــــــــت

الأحد، 13 يونيو 2010

حنـون مجيـد .. قصة : لوحــة فنــان

لوحة فنان .. قصة قصيرة
ظهرت طلائعه من بعيد.. رجل غريب لا ريب.. ثم لما اقترب وتجلت ملامحه بدا أنه من مدينة أكبر. ورجل غريب من هذا النوع يفد إلى مدينة مثل مدينتنا يثير فضول رواد المقاهي، وأبناء الشوارع ومريدي ومرتادي الحانات والأسواق، بل إنه يثير فضول حتى النساء، إذ ما الذي لابد أن يكون وراء رجل يقطع مئات الأميال ليلقي برحاله في مدينة صغيرة تَفَطّر طابوقها وانتفخت جدرانها وتهرأت أبوابها، وما الذي سيعثر عليه في مقاهيها ومطاعمها غير كراسي خشب عتيق يأكل الجسد، وطعام بارد هش يثير الامتعاض؟
تقدم الرجل بخطا باردة منقلاً نظراً فوقياً على رؤوس جُلاّس المقهى الذين انتبهوا إليه بذلك التكريم الذي يقدمه سلفاً صاحب المقام لضيفه الغريب. على أن الرجل وهو يختار كرسياً منعزلاً ويرمي بجسده الفارع عليه، يلقي على النفوس ظلالاً من السكون المشحون بتوجس مريب، كذلك الذي يحدثه رجل من الغرب يدخل مدينة من الشرق.
نزع الرجل، المحدد الملامح عن كتفه حقيبته وطلب شاياً بإشارة من يده قبل أن ينصرف إلى أحد على الرغم مما كانت تقوم به عيناه من حركة دائبة، بدت عابرة وتلقائية عاد الجميع بعدها إلى لهوٍ وأحاديث كان على أثرها أن امتلأ المقهى بسابق ضجته.
عاد الرجل وطلب شاياً آخر امتص معه سيجارة واحدة جعل دخانها يكون سحائب ثقيلة فوق رأسه وبين عينيه وقد بان على سيمائه استقرار المسافر بعد أن يستقر به المكان.
انتبه إلى المحيطين به وإلى المدينة التي بدا شارعها الرئيسي الذي يطل عليه المقهى يزدحم بالناس وقد مالت شمس تموز للمغيب. بغتة رفع يده قليلاً للأعلى فاستقر نظره على ساعة رقيقة ملساء تامة العتمة إلا من خطوط ذهبية تفرعت في أربعة مناح مختلفة متساوية المسافات، رقدت بينها نتوءات دقيقة على هيئة نقط تكاد لا تبين، فنهض من مكانه واتجه نحو رجل عجوز اعتزل هو الآخر مجلسه في المقهى وحياه تحية صامتة واستأذنه بالجلوس.
استخرج من محفظة يدوية صغيرة حبلت بأشياء خاصة ورقة جريدة أو مجلة سعى عليها زمن طويل فكانت شبه تالفة حملت في وسطها صورة لرجل جالس على دكة أو مقعد وسأله عن حياة رسامها الذي عرف أنه من هذه المدينة ثم أضاف:
-لقد عثرت على هذه الصورة مصادفة بين أوراق قديمة تعود لوالدي:
التفت العجوز إليه وقال:
-وما الذي تبتغيه بالضبط؟
قال:
-فضلاً عن التعرف إلى حياة الفنان أحاول العثور على اللوحة الأصل في متحف المدينة مثلاً، لاستكمل مشروعاً بدأت به منذ سنوات. فأنا دارس للفن. سكت هنيهة، أطلق خلالها آهة نمّت عن لهفة حارة وأردف:
-لقد أثارت هذه اللوحة القديمة انتباهي إثارة غامضة وها أنذا أحاول الوصول إلى كنهها لأضعها ضمن مجال دراستي.
لم يجب الرجل العجوز، إنما ظل ساهماً مستغرقاً في تفكير عميق ما لبث بعده أن استأذن الضيف وغادره من دون وداع، وهو وحده يعرف معرفة تامة تفاصيل حياة الفنان وظروف اللوحة مثلما يعرف المؤرخ تفاصيل مدينته.
وقليل هم الذين يعرفون شيئاً كثيراً عن حياة الرجل الذي كانت آخر لوحاته بعنوان (زوارق الألم) غادر بعد تنفيذها المدينة إلى مدينة أخرى، آثرَ الصمت عندها حتى مات.
ويجمع نقاد تلك الحقبة التي مضى عليها ما يقارب المائة عام. إن الفنان هذا لم يكن فناناً عادياً، إنما كان استثناء خرج من قاعدة أرسى دعائمها فنانو المدينة من الرعيل الأول الذين مارسوا الرسم بأسلوب يحاكي الطبيعة، ولكن بألوان أكثر جاذبية وتقنية أكثر صرامة.
وعلى الرغم من أنه كان أكثر فناني المدينة التصاقاً بالواقع إلا أنه أقلهم رسوماً وأجرأهم خروجاً على المألوف، ذلك أنه لم يكن يلتزم في رسوماته بالدقة الفنية التي كان يتحدد بها معاصروه، كما لم تكن موضوعاته قريبة من الموضوعات التي عُني بها هؤلاء، ولعل في تجربته جندياً خاض غمار حرب قديمة قطعت فيها أصابع يده اليسرى وقدمه اليمنى، دافعاً لا شعورياً لخلق عوالم غريبة جعلت النظر إلى فنه انطلاقاً من مواصفات جسده، وهي عوالم الموضوع فيها مضطرب غير متوازن تلمس في أدق تفاصيله، مسحة من الألم والوحدة والوحشة، وكثيراً ما كان الهدوء الذي يرين على سطح البحيرة مثلاً دافعاً للنظر إلى الأفق البعيد، ليقع على بقعة تقطنها غيوم سود جللت جانباً من السماء ولا يلوح أن من ورائها حركة تبدد كثافتها أو تزيح كتلها. وحتى الغابة التي غالباً ما صورها الرسامون هَوجاء تارةً أو هادئة مؤنقة تختال بين مروجها شمس خفر تارة أخرى، رسمها ساكنة موحشة تكمن في عزلتها روح باردة صماء، على الرغم من أنك قد تعثر في هامشها على شجرة يمثل انكسار ساقها الحاد انكساراً خالداً في الذات لم يجد الرسام بُدّاً من الركون إليه والتطامن معه، لما قد يحققه له ذلك من راحة ينساق نحو التلذذ بها أولئك المنكسرون في ذواتهم منذ النشأة الأولى.
لم يكن الرسام غريباً عن المدينة، بل كان واحداً من أبرز أبنائها الذين دافعوا بالسلاح عنها، وتميزوا كذلك بالحيوية في العمل والانصراف إلى كل ما يحقق الذات من لذة وانتشاء وجدهما بعد العشرين من عمره في الرسم. ولربما كان لموت أمه، احتراقاً بالنار في حادثة غامضة مات أبوه بعدها بأيام، ذلك الارتعاب من اللون الأحمر والتوجس من اللون الرمادي لما كانا يذكرانه بالنار والدخان.
على أنه إذا تردد في استخدام اللون الأحمر أو اعتزله في لوحاته قدر الإمكان، فإنه كثيراً ما خادع الرمادي وذللَه بألوان أخرى يدخل بها عليه، أو يلوذ بها منه.
وكاستنتاج أخير فإن متحدثي الفن في تلك الفترة كانوا يرون في شخصيته الفنية فناناً قديراً غالب اضطراب روحه وجسده بفن ليس بعيداً عنهما، بل كثيراً ما عبر عن انكسارات ذاته بلوحات فضحت ذاته أو أشارت إليها. من ذلك لوحته التي كانت باكورة أعماله بعد أن نضج فنه وصار يكتسب سمعة خاصة قامت على إعجاب زملائه الرسامين وبعض ممن كانوا يعدون نخبة المدينة من متحدثين في الفن ومثقفين ومتذوقين.
رسم الرسام لوحته على قطعة من الورق الأبيض المحبب بقياس 15×25 إنشاً، مظللة جميعها بلون رمادي باهت خالطته صفرة تلاشت وإياه تلاشياً يكاد يكون تاماً، لتمنحه سمة درامية أطرت، بإطار يتداخل فيه اللون مع الموضوع، صورة لرجل شاب جالس على دكّة وقد سالت دماؤه من أنفه وعلى يساره وفي الأقصى منه ثلاثة رجال مدبرين.
يجلس الرجل متعباً منهاراً، رأسه للأسفل وعيناه في الفراغ، لا يبدو عليه انخذال كبير على ما حل به ولا استغراق في بركة الدم التي سالت من أنفه وفمه وتجمعت بين قدميه، إنما كان شارد الذهن غائص النظر قد استبدّ به هَمٌّ آخر، ربما تعلق بما انصب عليه نظر الرجال الثلاثة المدبرين.
بين قدمي الرجل المنتعلين حذاءين ثقيلين، تجمعت الخيوط الدموية على هيئة صفحة قانية اللون، حام حولها نور شفيف أحاطها بطوق لامع غير مكتمل الاستدارة، إذْ لم تكن الصفحة قد توقفت عن النمو بعد، وكانت قد استطالت في نقطة منها فشكلت ما يشبه قبضة انفردت سبابتها بوعد أو وعيد.
إن الذي أكسب اللوحة بعداً آخر، ورقات الشجر البنية ذوات الحواف الدكناء الغامقة التي لا يعرف أحد من أية شجرة سقطت ثم انحدرت تحت قدمي الرجل في اضطراب مشوش، لتركن أخيراً قريباً من بركة الدم في لوحة ليس فيها شجر. ومن ينظر إلى الرجال الثلاثة الذين لم يظهر الرسام من وجوههم سوى جوانب غائمة يجد أنهم كمن فاز بغنيمة، عَبّر عنها التمام أجسادهم على الشيء الذي بين أيديهم، وليس على الشيء الذي حصل للرجل خلفهم.
غير أن نظرة الرجل الشاب وهي تثقب الأرض وتغوص فيها توحي بأن ما بين أيدي الرجال، ربما كان شيئاً يعود له، وأنه يمكن أن يكون ذا قيمة في ظرف من الظروف، ولذلك فإن نقاد المدينة اعتقدوا من خلال مواصفات هذه اللوحة أن الرسام إنما صوَّر القصة الشهيرة التي تقول: إن حرباً وقعت بين مدينتنا والمدينة المجاورة كان من جراء هولها أن انتهت آخر معاركها بالسلاح الأبيض بعد أن نفد من أيدي الجنود المتحاربين سلاح البارود، وأن جندياً شجاعاً من مدينتنا قاتل جندياً من المدينة الأخرى فامتنع قتله عليه، لما تمتع به ذلك الجندي من كفاءة في القتال وشجاعة نادرة في الحرب نالت إعجاب جندينا هذا، وهكذا في إعجاب متبادل فريد، توقف الجنديان المتصارعان عن القتال، ووهب كل منهما سلاحه للآخر ليفعل به ما يشاء، فدفنا السلاحين في الأرض العراء ومنح كل منهما للآخر هديته التي على رقبته، لتكون شاهداً على شجاعته وإقدامه، ودليلاً على الحب الذي قد ينشأ غبّ اصطراع لا غالب فيه. بيد أن جندينا وهو في طريق عودته إلى المدينة متعباً واهن العضلات، تألب عليه ثلاثة رجال نزعوا عن رقبته هدية الجندي الشجاع ذاك وأشبعوا وجهه ضرباً بقبضاتهم بعد أن دافع عن نفسه دفاع المستميت.
كانت عودة الجندي كما رآها هو عودة خائبة، إذ لم يجد فيها شيئاً يقوله أو يتحدث به لأولئك الذين لم يشتركوا في الحرب وباتوا ينتظرون بفارغ الصبر قصص الجنود العائدين. إن الجندي هذا الذي رأى النقاد أن الصورة تلك إنما هي صورته على أكثر تقدير، أمسى معتكفاً على انطواء غريب، رأى فيه الآخرون سِمة من سمات الجنود الذين لم يفعلوا شيئاً في الحرب، أو ليس لديهم ما يقولونه أو يستشهدون به على بطولة أو فعل. على أية حال، لقد لبث الرجل الغريب في المقهى فترة قصيرة يُقلّب طرفاً حائراً مخذولاً في المدينة التي انتشر الظلام في أرجائها، ثم لم يلبث أن غادرها بعد أن غيبت الأزقة والدروب آخر روادها. لم أشأ أنا الآخر أن أعرف الرجل هذا بتفاصيل اللوحة، ذلك أنها جزء من تراث يعود إلى هذه المدينة التي أكل الدهر عليها وشرب. إن الفن سيبقى غائباً ما كانت المدينة التي تحتضنه غائبة عن الذهن، وهذا هو ما كان عليه حال مدينتنا التي احتفظت باللوحة في واحدة من مقاهيها الرخيصة من دون أن يفطن إلى وجودها أحد.

حنـون مجيـد .. قصة : الفـأر مـرة أخـرى


الفأر مرة أخرى
هذه هي المرة الثانية التي يظهر فيها فأر في هذا البيت… وإذا كان الذي ظهر قبل عشر سنوات قد مَرَّ بسلام واختفى في مكان ما داخل البيت أو خارجه فإن هذا قد وقع في الفخ وها هو يلوب داخل مصيدة محكمة الصنع.
تعالي يا امرأة.. في بيتنا فأر.. صحت تلك الصيحة الخالدة القديمة. وأسرعت المرأة مستجيبة لندائي وصممت على أن لا يفلت الفأر هذه المرة مثلما أفلق جده الأعلى قبل تلك السنوات.
وبتنا نترقب ظهور الفأر هبوطاً من غرفة أعلى أو صعوداً من غرفة أسفل.. تسللاً من حفرة غير مرئية في جدار أو انسلالاً نحو مكان في النهار غير مكانه في الليل وهكذا.
وإذ أصبحنا منكرين أن يكون في بيتنا أكثر من فأر فإننا لم نكن نرى غير حيوان صغير واحد لـه أذنان طويلتان وأطراف دقيقة وذنب طويل.
ومن يدري فلربما هذا الذي نراه ليس سوى فأر، وحيد دخل البيت بطريقة الخطأ أو حتى بطريق القصد منذ يوم أو يومين؟
ولعل الصيحة الأقوى بعد صيحتي قبل يوم أو بعض يوم، صيحة ابنتي زينب حينما هرعت إلينا على خطواته السريعة يهبط السلم وينسل مثل ومضة ضوء نحو غرفة النوم.
ولأن الوقت صباح ومازالت هنالك أفرشة ونثار من ملابس النوم، فقد اختفى الفأر ثم جعلنا نبحث عنه في المطبخ اتساقاً مع قدرته الخارقة على المراوغة وحكمته التي تقول: إذا رأيتني هنا، فأنا هناك.
بل إنه لطريقته الفذة في الظهور المباغت أثارَ فزعي أنا أيضاً حين فاجأني ذات صباح يخرج مهرولاً نحو كوم من أحذية وجوارب اعتدنا ركنها في صندوق تحت السلم.
وإذ لم أكن متوقعاً ظهوره في هذا الوقت المبكر فقد كانت المفاجأة شديدة لأطفر من أمامه (ناجياً) بنفسي مطلقاً صوتاً لا إرادياً لا يطلقه الإنسان إلا عندما يؤخذ بصدمة عنيفة يفقد فيها توازنه واتزانه.
ورابنا في أنفسنا أن يكون لشيء تافه اسمه فأر، مثل هذا الأثر الذي جعلنا في يقظة مستمرة واستنفار دائم، يكون كذلك على مثل هذه الصورة التي تثير فينا قلقاً تارةً وخوفاً تارةً أخرى وفزعاً تارةً ثالثة.
وما الذي يقلقنا منه-تساءلنا مرة في صحوة طارئة ونحن نجتمع لمناقشة أمره- غير أنه مهووس إلى حدِّ الجنون بقرض الملابس والأفرشة والأغطية التي لا يمكن أن يضمها جميعاً صندوق واحد، أو حتى مجموعة صناديق؟
ثم لماذا هذه الصناديق-أجبنا- والفراش فراش والغطاء غطاء وإن الملابس أو بعضها يمكن أن يحتويها صندوق أو صندوقان.
لذا كان علينا أن نفكر في اقتناص الفأر، وسواء لدينا أن تكون الوسيلة طعاماً مسموماً أم مصيدة فئران.
ولأن الطعام المسموم يكلف مالاً، أي مال، والمصيدة متوفرة لابد، عند أحد الجيران فقد وجدنا بغيتنا حقاً عند جار كريم وكانت من المتانة والإحكام بحيث لم يمض وقت قصير إلا وكان في داخلها فأر.
صباحاً ولم يكن الأولاد قد غادروا إلى مدرستهم بعد، سمعنا اصطفاق باب المصيدة الخشب.. كان اصطفاقاً حاداً وعنيفاً وكما لو أنه يحمل لهفة قلوبنا للظفر بالفأر..
حقاً، أثلج قلوبنا صوت اصطفاق الباب فخف الأولاد أولاً يتسلقون السلم متسابقين نحو الغرفة التي وضعنا المصيدة فيها وهناك أطللنا عليه.
كان فأراً ليس غير.. ليس بالصغير وليس بالكبير بل أنموذج لفأر يثير التقزز ويستدعي الرأفة معاً ينظر إلينا مثلما ننظر إليه، وإذا كنا بدأنا ندمدم فوق رأسه بلغةٍ يسمعها ولا يفهمها فلم نكن ندري ما الذي كان يدمدم به.
وأخيراً ضحكنا فلقد دخل هذا الصغير المقلق المخيف عالم السجون من دون أن ينال ولو شيئاً من الطعام الذي قاده إلى هذا المصير.
يا لسوء الحظ فكرت أولاً ثم قلت وأنا أطل عليه بقامتي المديدة لأبدو لـه، لابدّ، مثل شجرة عملاقة أو حيوان خرافي بل ربما مثل جبل عظيم، وكانت قطعة اللحم الهزيلة لا تزال عالقة في عمودها الحديد الدقيق، تتأرجح كلما مَسّها منتقلاً من ركن إلى ركن وكدت أو هكذا تمنيت، وأنا أنظر إلى وضعه المزري، أن أضع قدمي على المصيدة أسحقها وأسحق معها هذا الذي أرّقنا في ماذا عساه يكون قرض من ملابسنا، أو أي نوع من ملابسنا اختار. على أنني ما إن فكرت بذلك أو كدت أقوم به، حتى أعلن أحد الأولاد عن نوع الموت والعقاب الذي يجب أن يطبق عليه: النفط أو الماء الحار؟
غير أن أحداً لم ينطق بهذا القرار وقد صار الأمر جدياً، وعلينا إذن أن نقرر كيفية الموت حتى انقلب الأمر إلى شيء آخر.. شيء يتعلق بموت حقيقي تزهق فيه روح ويتحول صاحبها من عالم الأحياء إلى عالم الأموات.
قلت: حسناً.. إننا الآن أمسكنا به- وكنا لانزال نطل عليه في جماعة غاضبة- وهو الآن تحت رحمة مصيدة رأيتم نتيجة الدخول فيها وترون متانة صنعها وشدة إحكامها فلا ضير إذن من أن نتركه حتى تعودوا من مدرستكم وننظر في أمره من جديد.
انصرف الأولاد ونسينا، زوجي وأنا في خضم عمل بيتي دؤوب، أن يكون ثمة فأر في مصيدة وفي غرفة في أعلى، حتى عاد الأولاد من مدرستهم وكان أول ما سألوا عنه هو الفأر.
وهبطوا به، وأحلّوا المصيدة في المطبخ قريباً من الباب المفضي إلى الحديقة، تحت ضوء ينساب من أعالي الفضاء ليغدو واضحاً للعين، قزماً قميئاً عيناه الخرزيتان عميقتان صامتتان وماكرتان.
لقد أقعى أخيراً قابعاً في ركن من أركان المصيدة ساكناً مستسلماً أصغر من حجمه الذي رأيناه عليه في الصباح فهتفنا جميعاً، إنه جائع لا ريب.
قلت:
-إذن هاتوا قطعة من خبز.
ثم إذ فتتت القطعة إلى قطع صغيرة ورميتها من خلال القضبان قريباً منه، تقدم منها والتقط بفمٍ دقيق قطعةً وجعل يقضمها.
فكّرتُ وهو يقضم طعامه بهدوء واطمئنان إنه لربما لا يعرف حتى الآن حجم المأزق الذي هو فيه، ولعل من هنا نشأت فكرة استخدام الفئران بهذه النسبة في التجارب التي تجرى على الحيوان في المعامل والمختبرات.
وبدأ الأولاد ينسحبون نحوه، وبدأ يلذّ لهم أن يراقبوه وهو يأكل طعامه ثم وهو يرفع رأسه المدبب، ينظر إليهم نظرة صامتة ليعود يتناول طعامه من جديد.
وإذا كنت أخيراً خشيت من شيء يبتدرني الأولاد عليه فهو أن يظل الفأر في مصيدته يتناول طعامه في وجبات يقررونها وإلى أمد غير معلوم.
ولربما راقت لي الفكرة التي فكرت بها أنا أولاً لا الأولاد، ولكنني لكي أحسم الموضوع أعلنت عن قرار التخلص منه.
انفض الجميع قليلاً أول الأمر، ثم انفرطوا انفراط مسبحة خيطها هزيل، ثم ما لبثوا أن تصاموا عن ندائي، معتبرين أن قتل هذا الحيوان الوديع شيء لا تقبله نفوسهم ولا يرتضيه الله.
-وما الذي تقترحون؟
لم يتكلم أحد، إنما جعلوا يتبادلون نظراً أبيض، كذلك النظر الذي يبدو على عين من لعبت برأسه الخمر.
-تكلموا وإلا صببت الماء الحار عليه.
قالوا جميعاً:
-كلا.. لقد قررنا وكفى.
حملوا المصيدة.. التقطوها كما لو أن في داخلها بلبلاً فريداً لا فأراً وانطلقوا بها خارج الدار.
هناك، وفي ساحة واسعة بعيدة بعض البعد، عرف الفأر حريته من جديد.

حنون مجيد .. قصة قصيرة : الصيــــــــاد

                                                                          الصَّيـــــاد
تحت ظلال سعادته القصيرة الباهرة أحس، أن أصابعه التي تحت الماء، انفرجت لتفلت منها خلسة، سمكته الفضية الكبيرة فانقطع خيط حلمه الشفيف على مرأى النهر المضطرب وأصابعه مفرودة تقبض على فراغ.
لقد رآه ينحدر مع الأسماك الهائمة في ملذاتها الساحرة ويقبض على هذه الجميلة، أكبرها التي لا يعرف أي سر فك عنها قبضته، ثم مكث يتابعها بشغف وهي تتهادى وتبتعد، وأشتات من حسرة دفينة تتموج في خاطره، لا تلبث أن تتلاشى سريعاً على أطياف نشأت تترادف بين عينيه.
أية سمكة، أي عالم، بل أي سحر، كان يتساءل ذاهلاً وهو يزيح عن عينيه غشاء غفوته القصيرة، ويتنبه لفراغ يده المنسحبة مع مهوى الضفة العالية حيث جلسته العصماء التي اختارها بعيداً عن ضوضاء الصيادين الآخرين في أماكن أخرى، وكان رمى سنارته في عمق من النهر قريباً بعض القرب، من أجمة انفردت هي الأخرى عن غيرها من أجمات.
من على مرتفعه، كان يتابع خيطه اللامع تحت وهج الشمس ويتوسل أن لا تعبث بسكونه المهزوز هبة ريح ويتغنى بمجده يوم كان وعاؤه يفيض بما يصيد، فيختار لنفسه ما يختار، ويعيد للنهر ما يعيد، ويعود إليها ضاماً صيده إلى صدره، مُلوّحاً لها بأن الرجل حين يكون عاشقاً فقد يتسع أثره على امرأة جميلة بصيد ثمين.
تحسس وعاءه، وبالغ في إدنائه إليه حتى لكأنَّ ريحاً مقبلة سوف تنهبه، وتيقظ للحركة التي انبثقت من عمق الماء وتصاعدت نحوه متناغمة مع مرونة الخيط، كانت الحركة عابثة لصغيرة لم تعرف معنى الجوع بعد، أو لكبيرة من سليقتها أن تظل تحف بالطعام في دورات قبل أن تقدم عليه.
قبل أن تتوتر أصابعه، وقد توترت نفسه، أرجأ شد خيطه وقد هدأت الحركة وتلاشت، وصار بميسوره أن يسحب أنفاساً هادئة، موقراً نفسه على أن ضبط النفس أجمل ما يجب أن يتحلى به صياد.
على أنه مع الحركة المريبة التالية، واشتداد إحساسه بأن الطعم فعل فعله وأنها أقبلت بكليتها عليه، نتر خيطه بقوة بالغة فتلألأت في الفضاء سنارة فضية منزوعة الطعم.
ألقى نظرة عتب على أصابعه، وشكَّ أن تكون فقدت إحساسها الدقيق. وألقم سنارته طعماً جديداً، وألقى بها حيث النقطة السابقة ذاتها ومضى ينتظر ما قد تجود به اللحظة القادمة، مستلهماً في الوقت ذاته استجابة يده قبل أشهر، بل قبل أيام، لحركة الخيط الرصينة حين تكون مثقلة بالصيد. تلك الحساسية المرهفة، كما لو أن نداء بينه وبين صيده، كانت ميزته المتجلية التي غالباً ما كانت مثار غبطة أمثاله من الصيادين الهواة.
قبض على خيطه بشدة وأرخى سمعه لأية ذبذبة داخل الماء، بل إنه أنشأ يطوّف بصره على المرآة الكبيرة أمامه، هائماً بمنظرها اللامع الصقيل من دون أن تهفو نفسه، للهفهفة الكاذبة التي بدأت تنسج خيوطها بعيداً عن مبتغاه.
تلك حركتها وهي تدور حول الخيط، تلامسه من قرب وبعد أو تتشمم الطعم، قال وبدا صاغراً ثم أضاف، ويا لذكاء السمكة قبل أن تخدرها وتغلق عقلها رائحة الطعام.
وطرب لفطنته التي وجدها طرية، كما لو أنها جديدة حقاً ولم يفكر بها من قبل.. إنها تحوم وتقترب الآن، وها هي رفرفة أجنحتها الزاهية قريباً من الخيط، بل ها هو فمها المُدوّر، مرتعشاً يتدانى من الطعم، متوجساً، بحاسة متوهجة، مما قد يخبئه له بين طراوته التي تكاد تذهب بها تيارات الماء.
ارتعشت تحت أنامله حركة ما، كان لرفيف الخيط فيها ملمس الصدق في الأشياء، فارتفعت على حركة يده الخاطفة سمكة صغيرة بحجم الأصبع، ظلت ترفرف في الفضاء قبل أن ينقذها من جرحها ويضعها في وعائه لتعود تسبح في نهر شديد الضيق، كلما ساحت فيه ارتطمت بشاطئه الجديد.
لقد بث هذا الصيد، على ضآلته أملاً فيه، وعمره ما كان إلا متفائلاً بصيده الأول، ولم يغامر يوماً بالاستغناء عنه مهما صغر حجمه.
وبدأ طرب ما يجتاح نفسه كلما التفت، ووجد الأصبع الفضي يغامر عبثاً للنفاذ من عالمه الصغير، مشغولاً في همٍّ خفي لا يفتأ ينبثّ كل لحظة على عينيه الصغيرتين.
ومن حيث يدري ولا يدري، عدل ببصره الذي بدأ يشيخ وتظهر عليه نقط هلامية سود، نحو الفضاء المترامي عبر النهر، حيث كل شيء يتراءى لـه على صورة الخيال الملموس.. الحقول التي لاتزال ندية تشع بخضرة أول الربيع، السكون الممتد حتى الأفق البعيد، وها هو صوتها يتردد في عمق أذنيه، اهرع للنهر ما دمت تضيق بشوارع الإسفلت وغرف الطابوق، فلعلك تصطاد هناك، بعد سنة أو سنتين، سمكة الشيخ التي أكلها القرش.
كان الوقت ضحى حينما انداحت على شفتيه ضحكة خافتة، ولكنها ترددت جلية في مدار أذنيه، فبثوبها الأزرق الفاتن المطرز بزهور دقيقة سود، كانت تعابثه منذ ساعة وتشاكس رغبته في الابتعاد عنَّ البيت والتوق إلى النهر، كلما ضاقت له نفس، إنما كلما عنَّ له النزوع إلى هناك، وقفت بوجهه وملأت أذنيه بكلمات سريعة لاعبة، سحرها اللذيذ أنها تنطلق من فمها الطلي، وعينيها الباسمتين.
وَلَذّ لـه أَن يُجسّدها في هذا المدى الواسع للفتنة والحب، وأن ينظر إليها نظرته إلى امرأة فاتنة يراها أول مرة، فحينما نبتعد، وإن بعداً نسبياً، تكون مجسّات حقيقتنا، نحن الكبار، أكثر صدقاً، قال وارتجفت أصابعه وانشدت بصورة أعنف إلى الخلف، فحلق فوق رأسه خيط مقوس مشدود ينتهي بسنارة خلت من طعم وصيد.
إذن، لقد غافلته اللعينة وانتهزت فرصة حواره وسرقت طعامها السمين، ولكن ها هو يستغفلها، كما استغفلته، بطعم آخر ستجرها إليه، لذاذة ذاك الذي مضى معها سهلاً ومضت معه سعيدة.
وضع حواسه مع خيطه، وبصره ينساب هابطاً صاعداً معه، مركزاً في الوقت عينه في النقطة التي إن لعبت، كان اللاعب فيها صيداً لا ريب فيه.
كانت أعصابه مستوفزة، وضع فيها رجاء حاراً يعدل رجال العمر، وها هي تحوم، تقترب، يضرب ذنبها أو جسدها الخيط من نقطة قريبة من السنارة ضربة ثقيلة لها رنين خفي يصّاعد متوتراً فيوقّع صداه تحت أنامله المشدودة المرهفة.
ولشد ما كانت نفسه متألقة هذه اللحظة تجاه غريمته التي احتالت عليه، أو هكذا فهم الأمر، فلقد تنحت صورتها بثوبها عميق الزركشة الذي بالغت في إضفاء نوع من الوقار عليه يناسب وقارها لما جعلته بأكمام طويلة تضيق كلما انسابت نحو المعصم، وأذيال ثقيلة مسدلة وبثنيات مترادفة كأمواج البحر.
بغتة، تنامت المغازلة حتى كادت تلقي به في دائرة الوهم، إذ تهيأ لجذب الخيط، غير أن السكون المتذبذب ما عتم أن عاد ثانية وبدأت المراودة، بذات الإيقاع الثقيل الخفيف، وفي موازنة، هكذا عبر، قل أن كان لها نظير في تجاربه السابقة.
بل إنها بدأت تقضم الطعام قليلاً قليلاً، ومن بعيد بعيد وكما الهمس الناعم، لتطيح به هذه المرة في دائرة الحيرة المرة، فبين أن يجذب خيطه وقد يعود خائباً وبين أن ينتظر وينتظر حتى تستدرجها اللذة وتقع في المصيدة، كان يحار ويضطرب. لقد بدأت أصابعه تتسلم نترات خفيفة أشبه بنداءات قصية، ثم إذ اشتدت شيئاً واهتز الخيط اهتزازاً ما، وحاول أن يجذبه الجذبة المنشودة سكن كل شيء وعم الهدوء.
كلا.. إن شيطاناً حلّ في رأس تلك الخفية المبهمة، لتكون بهذه الصورة العصية، لتلغي عليه استيهاماته العذبة لحظة وضع صورتها في إطار الأفق الجميل، وتربك عليه أمله في الإيقاع بها.
نعم. إنما هكذا الثمين. ولكي يكون كذلك، فلا بد أن يكون عزيزاً منيعاً، فكر، ومال بجسده ناحية النهر كمن يحدق فيه بحثاً عن شيء يتراءى له، واستعد للمجابهة بأقصى قدر من اللياقة ورهافة الحس.
لقد سكن كل شيء فيه، بل جعل يتغافل عن ألمٍ أَلَمّ بعنقه، وآخر بكتفه الأيمن، وبعض من وهن أحاط بمعصمه، وعلى هذا تمنى أن يكون غريمه المزعج هذا غنيمة على قدر مشقته.
وخُيّل إليه، أنه بات يقرأ ملامح الفرصة القادمة فأفرد نفسه لها.. إنها قريبة لا ريب، وأنه يسمع الآن حوار صيده مع الطعم، بل إنه يسمع دمدمة الرغبة العاتية، ولهوجة الجسد المنفعل، والنهش المتسارع الموتور، ثم إذ شعر أن ثقلاً رصيناً صار يأخذ بأصابعه إلى النهر، شَدَّ يده سريعاً إلى الوراء، فانتفض الخيط مقوساً ملوحاً بسنارة بيضاء فقدت طعمها ولم تغنم بشيء.
كانت خيبته، هذه المرة، عظيمة، بيد أن صبره كان أعظم إذ أغنى سنارته بطعم آخر وقذف بها في المساحة ذاتها، وطفق ينتظر وثم هدوء داخلي عميق يتفشى في أوصاله، كما لو أنه امتداد لتلك الأرجاء الرحبة، أو مستمد منها.
هل للخيبة سم يخدر الحواس ويعطل الأحاسيس؟ ذلك ما لم يفكر به، إنما في الوقت الذي كان الخيط فيه بين أصابعه، كان فكر غائم يغشى نفسه وعينيه، حتى ليغدو الأمر عنده واحداً، أن يصيد أو لا يصيد. لقد مضت الساعات الطوال وحضرت القيلولة، وليس في إنائه سوى ذلك الإصبع الذي ليس بوسع أحد أن يعرف إن كان يدرك جيداً ما حل به أولا.
وبين أن يرخي سمعه للطارق الجديد، وبين أن يهيم مع هذا اللذيذ الذي يحيط به واستوت عنده الأشياء، كان ثمة شيء على هيئة موج خفيف يحف به، يثقل أنفاسه ويغلق عينيه ليأخذ به، من بعد، إلى النهر الذي ما كان، لفرط سحره عليه، إلا أن يقبل عليه، يغمر يديه في مائه الرقراق يداعب بشغف مويجات مترادفة غادرت موقعها النائي وأقبلت عليه.
من هناك.. من ذلك البعد الذي تراءى له كما لو أنه تحت عينيه، كانت أسماك متباينة الألوان يشف عنها زجاج الماء، ترغّبه فيها وتتهامس عليه بعيونها الزعفرانية وأفوامها الحمر.
أي سحر إذن يغمره، وأية لذة تعدل لذة أن يخترق طبقات الماء، نحو أسماك أسطورية تدعوه إليها، ولها مثل هذا القدر من الجاذبية والجمال، وأي غناء، بل يا له من غناء هذا الذي ينطلق من جوانبه وتردده معه آفاق الخضرة وشطآن النهر؟
هناك ولما تزل أمواج خفيفة طروب تأخذ به غامرة نحو أقصى سعادته، أحسَّ ببرودة الماء تخترق جسده وبشيءٍ له ملمس مخملي يلامس صفحة وجهه وعنقه وهو يمضي صعداً ليحيط بأعظم الأسماك، حتى إذا هَمّ أن يعود بها وقد استغرقه بهاء عينيها، اعتراه ما جعل أصابعه تشل وترتخي لتنزلق منها عائدة نحو أقاصي النهر، وغلالة من ظلال رخية تغمر رحلتها المتنائية، ليفتح عينيه على صفحة النهر المضطرب على ريح باردة بدأت تثير مياهه، وتضرب وجهه وتنزلق على رقبته العارية كما القماش المخملي، ويده المنسكبة تحته تقبض على فراغ.
جلجلت ضحكته في الفضاء.. لقد انسل الخيط.. رحل رحلة الأسماك السعيدة نحو خفايا ملاذاتها الساحرة العجيبة. وضاع في متاهات النهر.. سيستلقي هناك، وكأي شيءٍ طارئ غريب ستمر من فوقه أسماك وأسماك تسخر منه أو تتوارى عنه قبل أن يذوب ويتنصل عن سنارته ويمضي هلاماً مع تيارات الماء.
ذلك كان حلماً، وكان لايزال يراود عينيه.. لقد انسل الخيط.. مضى على كتف موجة أو على جناح ريح وحسبه أنه كان شيئاً جميلاً لينهض الصياد عليه، يعيد صيده الهزيل إلى كونه الباذخ الفسيح، ويعود إليها حاملاً في غده القادم سمكة الصياد العجوز.

حنون مجيد .. قصة قصيرة : القــــــــرين


القــــــــرين .. قصة قصيرة
سرح يده فوق رؤوسنا، ثم عاد وعطفها نحوه فكادت تلامس صورة متباينة الظلال، عكستها مرآة عريقة بحجم مرايا الحلاقين توسطت جدار غرفته التي زينت بلوحات ورسوم.
من خلال شباك انزاح طرف من ستارته، كان ضوء ما برح ينساب نحونا فاتراً ممزوجاً برائحة قدم ما كانت تبثها مع ظلامها الزوايا والأركان.
كنا قد اجتمعنا على وعد منه، مأخوذين بصورته الوسيمة التي وشحّتها ألوان عميقة متنافرة أكسبتها مظاهر صور مزاولي السحر أو أولئك الرجال الذين تنطوي صدورهم على تجارب من تلك التي لها وقع عميق على النفوس.
كان الهدوء طاغياً لـه طعم حريف تزداد كثافته مع مرور اللحظات الصماء التي كنا ننوء بتضاعيف وقعها المترسب في صدورنا، بيد أنه لكي يفي بوعده ويقطع وحشة عزلتنا، انحدر صوته إلينا بِرَنّةٍ فيها من الأسى بقدر ما فيها من الفخر. بل لقد لمسنا فيه ذلك الصدى الذي يوشح الصوت حينما يشير إلى ماضٍ مختلط لكنه في الوقت نفسه ذو مجد وجمال.
-هو ذا القرين.
قال ذلك ولما تزل يده المنطوية تشير إلى الصورة التي توسطت الآن مستطيل المرآة. تطلع فينا، صبّ سيل نظرات مترجحة على عيوننا وأردف:
-أنا وهو صديقان.
اختلج صوته على ما يشبه الذكرى القديمة وأضاف بتوكيد ثقيل:
-صديقان عدوان.
قطع حديثه لحظة انصرف فيها إلى متابعة وجوهنا المترنحة بين صورته والمرآة، ثم ما لبث أن اخترق صمتنا إذ قال:
-كل منا يعترض الآخر ويغريه.. نختلف ونتفق. وإذا كان اتفاقنا نادراً فإن اختلافنا شاسع وبعيد.. يختفي لحظة ثم ما يلبث أن يطل عليّ ويلوّح لي.. يتبعني كظلي ويستبق خطواتي.. يعبس بوجهي ويبتسم لي.. يمسك بيدي ولا يريد أن يكفّ عنيّ.. حلو ومر.. مر وحلو..هكذا نتبادل الأدوار، لكن حلوه على لذاذته، صعب عسير في أغلب الأحوال.
أشاح بوجهه عنا.. أنعم النظر في الصورة قبالته وواصل:
-قطعنا شوارع منوّرة وأزقة مظلمة.. متاهات وساحات، حدائق ومتنزهات.. غنينا معاً ورقصنا معاً.. استولى علينا شعور جارف بأن الحياة لنا، لوحدتنا واتفاقنا، لانسجامنا وسعادتنا، لكن اللحظات اللحظات ما أن تنصرم حتى نتبين كم كنا على شقاق وكم كنا على وهم، وإننا منذ لحظة رقصنا وتوحدنا كنا نفترق، وأن أيدينا التي شدّت على لقاء قادم كانت تعلن في سر مفضوح عن وداع أو رغبة في وداع
مرة أخرى انتبه إلينا.. أجال نظراته في وجوهنا يقرأ ما يعتمل فيها أو يتلوّن عليها:
-يحيرني أمره.. رغباته الكثيرة وأولاعه اللامتناهية.. طلباته ونواهيه. آراؤه ونوازعه.. ولعلي حذّرته أكثر مما حذّرت صديقاً، وحذرته أكثر مما حذرت عدواً.
وددت أن تفترق بنا السبل وتختلف الطرق.. أن يرحل غرباً وأرحل شرقاً، شمالاً وجنوباً، أبعد وأقصى، لكن ذلك لم يكن كما يبدو إلا من قبيل الأماني والأحلام.
استعاد في لحظة هدوء أنفاساً أفعمها الاعتمال، ثم تحرك نحو كرسي ركن قرب زاوية من المرآة وتابع:
-عند بداية الشوط كان الاتفاق يسودنا.. لعبنا معاً عند حافة بستان، ثم دخلناه من دون عناء وحتى توغلنا فيه اعترتنا دهشة اللهو والعبث في مكان ليس لنا وقد يحرسه حراس، ثم خامرنا الشعور بالذنب، فعدنا أدراجنا حذرين أن يرى أحد ما ناءت به أيدينا من فاكهة وأثمار.. عبثنا في الساحات تحت وقع المطر وخضنا في الوحل، سبحنا في النهر، واقتنينا ما لم نملك.. ارتحلنا في خيالات فَجّة وبريئة غفت على شاطئ طفولة لم تعرف بعد ما الممنوع وما المسموح. غضضنا الطرف معاً وصدمتنا الحقيقة سوية. ولم نفترق.. كدنا نكون كلاً واحداً متجانساً لا يعرف النعم في موقف اللا، ولا اللا في موقف النعم، حتى إذا شب ودبتّ في عروقه حرارة ما، جعل يرفع إصبعاً نزقة تؤشر هنا وتشير إلى هناك، تريد هذا وترفض ذاك.. تركت الأمر أول لحظة.. حسبته نزوة عابرة أو شطحات شباب فائر أو رجولة مختَلَقة. كان ذلك مع أميرة بادئ ذي بدء. فلقد أطلعنا صديق على خبايا شباكه العالي قبالة شباكها. ولكي يخفي نوازعه نحوها ويشبع تطلعاته إليها، غطى زجاج شباكه بصبغ أزرق ترك فيه ثقباً بحجم ذبابة كان كافياً لأن يضع وراءه بؤبؤ عينه ليرى أميرة تخطر في عزلتها،تضع ساقاً فوق ساق، تشرب شايها أو قهوتها بتؤدة وهدوء، تضطجع على سريرها تقرأ طويلاً قبل أن تغلق الضوء وتنام. اندفعنا نحو غرفته. الصديق أولاً ثم هو ثم أنا.. كان الصديق ذاك حيادياً بارداً ولكن تدفعه رغبته النرجسية لإطلاعنا على متعته التي لم نكن نعرف عنها شيئاً لنحسده أو لنغبطه عليها. كانت أميرة مثار هواجسنا، بل حب ورغبة أهل الزقاق عامة. وإذا كان اندفاعنا هو وأنا قوياً، بل مثيراً، فلقد كانت خطواته تسبق خطواتي، ورغبته تفوق رغبتي حتى وجدته يقفز الدرجات الأخيرة للسلم الصاعد إلى الغرفة ليكون أول الظافرين بمنفذ بحجم ذبابة يعبر فضاء الزقاق المعتم نحو شباكها المشرع أبداً والمنّور بوجهها وبمصباح يتأرجح من سقف غرفتها فوق رأسها. كانت مضطجعة على سريرها تقرأ في كتاب في هدوء واسترسال ناعمين، وفي ليل لم يكن قطع من مسيرته الطويلة سوى ساعتين أو ثلاث.. حلم يتمدد على سرير مشرشف، وجمال مبحر في ثنايا إحسان أو نزار- هكذا حسبنا وقتذاك- ومن يدري ما الذي كان يدور في ذهنها وهناك عبر زقاق ضيق معتم، ومن خلال ثقب في شباك مقابل يتناوب التلصص عليها اثنان لم تسمع عنهما سوى، أن سمعت، أنهما من شبان الزقاق، وما أكثرهم، يتلصصون علناً على ساقيها وهما تتناوبان، برفيف الحرير، على قطع الطريق نحو مدرستها، أو نحو مواعيد بعيدة من الزقاق في ارتحالات جريئة لا يعرف أحد سرها وإن لعبت بها الهواجس والظنون؟ كانت أميرة ذات الجمال الباذخ الفريد بطولها الفارع وامتلاء ساقيها وشعرها المنساب كشلال من حرير، ونظرتها المترفعة الساحرة، أول من وقف في طريقنا، وأول من اعترض وحدتنا وصفاءنا، فأما أن نستمر في التلصص على ساقيها تنفرجان وتنطويان، وعلى جسدها الشامخ يملأ سريرها ثراءً وبذخاً أو الكفّ عن ذلك تماماً، إذ ليس كل ما يثير الرغبة والخيال وحتى الأماني صحيحاً ومقبولاً دائماً، ومن هنا كان اشتباكنا وافتراقنا. فلقد ظل يدفعني نحو شباكها وأدفعه نحو حبها، حتى آلت إلى مستحيل وظلت كذلك وغابت في دروب الحياة. وإذا كان ثمة من نقط سود وبيض رصعت جبين طفولتنا أو صبانا، فلقد كانت تلك النقاط، إذ كثر الشدّ والجذب بيني وبينه حتى كاد ينقطع الخيط الرابط بيننا، وليته انقطع منذ ذلك الحين. على أننا لكثرة ما استعصى أحدنا على الآخر بتنا نكره بعضنا البعض ويتمنى موته، لينفرد بنفسه لنفسه ويقرر حياته بذاته. ولكن أنّى يتحقق لأي منا ذلك، وهي شعرة، كما قال مرة، ولكن لكي تقطعها عليك أن تصيح بأعلى صوتك: (ها أنذا، انفردت واستويت قائماً وحيداً واحداً، لا صنو لي ولا مثل، لا غريم ولا قرين) وإذ لابد مني ومنك، فبذا تكون كمن يضرب رأسه في جدار.
-وما السبيل- رددت عليه، ثم قلت-إذن لكي تحقق كل ما تريد عليك أن تخترق قوانين الحياة وسبل الطبيعة، وتقيم لنفسك أقانيم خاصة ينبذك عليها ناس ويسخر منك ناس حتى قد يصل بهم الأمر إلى أن يطاردوك أو يقتلوك. أنت صنو مقيت، بدائي، حشوي، غريزي، بهيمي.
-وأنت- رد بصوت ذي جرس ناعم رخيم-نحيل نحيف، انتقائي، مخي، عظمي، متردد، محتسب، جبان. وضحك ضحكاً داعراً وعقد أصابعه على أصابعي وجرني عنوة إلى حديقة خاصة أطلق عليها حديقة العشاق وهو يقول: أليس جميلاً أن نكون اثنين مختلفين ولكن متآلفين بدل أن نكون نصفاً ندعيّه واحداً سرعان ما يفتقد نصفه الآخر ويهفو إليه؟
وهالني زهو الحديقة، واتساق تكوينها ونظافة مسالكها، بل أذهلني جمال روادها وروعة أُجرائها وشذا عبيرها، حتى لكأنها عالم من خيال. كان المطر يهمي والعشاق فيها يتسامرون ويتعانقون، مبللين بالمطر، سُعداء مغرمين لا يعرفون سوى العشق وحالات الغرام، تؤطرهم أصداء موسيقية خافتة تنطلق من حيث لا يعرف أحد، وكما لو أنها تتفجر من أرض قصية، تنساب بفواصل هادئة رقيقة متتابعة، يتلون فيها الإيقاع نزفاً حيياً معاً يداعب نعومتها ويشاكس رتابتها، ينفرد فيها صوت ينبثق كل فينة بطبقة منفردة لها شبه بتأوهات نفس عظيمة ضاقت بسعادتها ونفرت من رتابتها، حتى انسقت خلف ما كان يتراءى لي حلماً غريباً يداعب أقصى خفايا النفس، يغويها بالأمل ويعذّبها باليأس، أيها الماكر اللعوب، قلت، تقودني إلى هذه الحديقة التي تنطوي فيها الذراع على الذراع والساق على الساق، ويتذاوب عشاقها في عناق طويل كما لو أنهم تماثيل رخام تنتظر رحمة الآلهة لتفك عنها لعنة العناق؟ من أنت لكي لا تعرف نفسك وتقدر قواك؟ ولكن لا، فأنت مغوّي مغرور، وإلا فكيف تدخل بنا هذه الغابة التي جلّ روادها عاشق ومعشوق ومجنونة ومجنون؟ ثم ألا تقدر الزمن الذي مرر أصابعه على وجهك فمحا نضارة عينيك ووسامة وجهك.. ألا تعي دورة الحياة؟ إن نفسك لفوّارة ودخائلك لنزّاعة مازالت تدغدغ لسانك وتحرك قلبك وتعبث بطرفك فهذه وتلك، ثم تتهمني بالتقاعس والخمول وتقمع رغبتي في معانقة ما أود وما أريد.
توقف الرجل عن الكلام.. صَمَتَ صمت الأموات ثم كمن يترك حديثه للآخرين ترك رؤوسنا تحلق في مرآة تخترق فضاءها الموحش صورة رجل ورسوم جدار.
ومن حيث لا يدري أحد عاد إلينا بصوت ثقيل من دون أن يشير ولو إشارة عابرة إلى الزمن الصامت الذي تركنا معلقين فيه قال:
-أقمعك تقول، أجاب في سخرية ماجنة، ولم تقم بعمل خالد أو فعل مأثور.. لم تقل علناً لا، ولم تعبّر ولو بصدق كاذب أو بعض صدق عن حقيقة كنهك وماذا تريد.. من يعرفك.. من أنت، ما هي هويتك وعلى أي شاطئ رست سفنك؟ أنا؟ أنا السبب؟ يدي بيدك فلماذا لم تكن هي الأقوى لتأخذ بي نحو شاطئك أو نحو ما كنت تريد لي أن أكون؟ نعم. أنا معروف.. نزوعي، ملذاتي، حسي، جسدي، رغوب، نهم، ملتاع، لا أشبع ولا أرتوي، ولكن ألم تكن أنت نفسك آمراً قاهراً رغوباً ولم تكن مرة سواك؟ أشهد أنني قمعت فيك متطلباتك، وأشهد أنني كنت الأقوى، والأعنف والأكثر رغبة وتطلعاً ونزوعاً، ولكن كيف تأتى لي ذلك إن لم تكن ثمة أسباب أنت نفسك من بينها؟ لقد اضطهدتك نعم وكلا، فلقد تضافرت معي عليك وسلكت بمعيتي دروبي وزواياي.. طامنت رغباتي وعرفت شياطيني، ثم كنت في اللحظة الأخيرة تجفو وتتردد لتتهمني بالفسق وبالفجور. نعم أنا جائع مثلما أنت إنما الفرق في أنني أعلن وأصرخ وأصرّح وأحاول وأتقدم، بينما أنت صامت معذب متردد كلما أقدمت ترددت وكلما بنيت هدمت. لم تعرف الحب الحقيقي يوماً، وألذ ما في الحياة الحب، ولكن كانت ظنونك وكانت مخاوفك، وما كنت تدعيه ولم تزل، الحياء الجميل والموقف العام، وليس الأمر بالمخجل ولا بالمقرف ولا بالغريب.. ما هو صوتك، وكل ما فعلته كان معي، معي وحدي..؟ لا صوت في الفضاء، لا صوت في السوق، لا صوت في المقهى، لا صوت في الشارع، لا صوت من خلف النوافذ أو من وراء الجدران أو من فوق السطوح. والذي تفعله أو تقدم عليه ولا تحجم عنه مما أنت مؤمن به هو بحجم ما أفعله وبمقدار ما أحاول الإقدام عليه وتردني عنه، كلاهما بمقدار واحد ومثل كفتي ميزان.. وكلاهما يحقق في تحصيل الحاصل اللذة المنشودة والمتعة السامية، وسيّان أن تكون هذه حسيّة كما تصف وتلك روحية كما تدّعي ولا فرق. ودعني اذكرك بقولة ذلك المحارب الغريب في حانة بلد محتل (إننا من أجل هذا نحارب لا من أجل كعكة ماما) مشيراً إلى لوحة كبيرة لامرأة راقصة ترقص تحتها على موسيقى صاخبة راقصة أخرى. أترى؟ أما الزمن فإنه طوع يديك بل إنه أنت ولا شيء سوى ذلك.
رفع وجهه عن وجوهنا.. استدار نحو المرآة.. سلط نظرة عميقة استقرت على الصورة التي أحاطتها ظلال ما فتبدت كما لو أنها تسكن في بعد قصي، ثم ما لبث أن عطف رقبته نحونا:
-حقاً لقد أوغر قلبي هذا المتحذلق الدجال وأدخلني في متاهة الأسئلة المفرغة. قلت، وقد قطعنا شوطاً في متاهات الحديقة الغريبة حتى كدنا نتوه في مسالكها المتشعبة ودروبها المكتظة، وكان المطر لايزال يرش العشاق رشاً رؤوفاً، انتعشت عليه النفوس فساد الحديقة جو ملائكي كانت الأجساد المترفة تتخاطف فيه تخاطف الملائكة في حفل فردوسي، هيا لنخرج قلت. قال، أبهذه السرعة؟ كنت أحلم أن أدخل بك الممرات السرية والأنفاق الشفافة ساحات الأزهار وبيوت العطور، بل كنت أود أن أقودك إلى معتزلات العشاق، فهناك كنت سترى ما لم تر عيناك.
وأخذت بيده سريعاً نحو دار الحكمة، وهي بناية شامخة مهيبة يقف قبالة الحديقة ذاتها في مواجهة سافرة فكادت قواه تخور وهو يرى طرقاتها ومكتباتها وحركة الناس فيها. وقصدت به مكتبة مغلقة وضعت بيده مفتاح بابها.. هناك وهو يقرأ بعض أسطر مما زخر به كتاب قديم غلافه رِق متآكل لكن حروفه مطرزة بماء الذهب سمعته، يناجي نفسه ويقول، على هذا يفور الماء وتتصدع أوحش الجبال وتحني رؤوسها سنابل الحقول. كلا. إنه السحر. لكن الشيطان سرعان ما أغلق الكتاب وتشبث بكتفي وقال كالمطارد المأخوذ هيا لنخرج.. أنقذني مما أنت فيه، فقلت أنا الآخر وبهذه السرعة، كنت أبتغي أن أعرفك على رواد مكتبة أخرى. أولئك لا تسمع منهم سوى الهمس ورفيف أعينهم على الكتاب رفيف الفراشات على النار، فقال مكرراً سخريته الماجنة وثقته المطلقة، إنني لأخشى عليك فالحقيقة التي تبحث عنها هنا إنما هي هناك كذلك. أجل هما شيئان لا ثالث لهما، وغالباً ما كانت الأشياء اثنين متضادين، لكنهما يشكلان في النهاية وحدة الأشياء، وحدة الكون ووحدة الوجود، نور وظلام، خير وشر، حب وبغض، حياة وموت، قوة وضعف، سماء وأرض، جنة ونار، خالق ومخلوق، سيد وعبد، ذكر وأنثى، وأبداً لا فاصل بينهما وبدون أي منهما لم يكن ليوجد شيء اسمه الحياة.. نكوص وتقدم، إقدام وإحجام، وهكذا نحن منذ الأزل وحتى قيام الساعة، اثنان لا يفترقان، واحد لا يتكامل إلا بضدّه ونقيضه الذي فيه، أم تريد المزيد؟ قال وأردف كما لو أنه لا يريد أن يتوقف أو يكف، ملاك وشيطان، سارق ومسروق، قاتل وقتيل، راعٍ ورعية، حاكم ومحكوم، شجاع وجبان، شريف وخسيس، غاصب ومغتصب، ظالم ومظلوم. سكت لحظة وقد تفصّد العرق من جبينه حتى حسبت أنه سينهار، ولكنه كما لو على سبيل التحدي واصل كلامه، ولو أردت لسودت لك مجلدات، لكنك واهم كبير ومضلل أكبر ويدك مع يدي لا فكاك منها، وبدونها لا تمسك بشيء ولا تصفق لشيء، فامضِ وحدك إن كنت بمستطيع أو فلتطلق علي نارك، بل ليطلق كل منا ناره على الآخر فهل نستطيع؟ كلا. وحدتنا شيء أزلي لا انفصام له وهراء أن تكون واحداً متجانساً يوماً أو حتى لحظة إلا إذا تقهقرت نحو طفولة مستحيلة أو تحولت إلى كائن مسخ مسطح غريب، وأعلم أن الشيء الواحد المتجانس الصافي لا وجود له، ذلك أنك إن فكرت بذلك تكون كمن يغمض عيناً ليرى بالأخرى نصف العالم وأنصاف الحقائق والأشياء، وإن ما تراك عزفت عنه تمارسه بمفهومك الخاص الذي شرعت له وباركت فيه، لنلتقي في الآخر كل في منحاه وكل في شرعته، ولكن في وحدة واحدة ومشاركة خالصة ترفض الانفصام ولا تقبل الزيف، إنما في لذة مطلقة سواء أمسكت باليد أم أمسكت بالخيال، وعلى هذا فليس لأحد منا ميزة على الآخر أو قدرة أن يعيش بمنأى عنه، فهيا مدَّ يدك إلى يدي ولنمض معاً إلى حيثما تريد أو حيثما أشاء.. أشد فترخي، وتشد فأرخي، تغريني وأخادعك وتماطلني وأناورك، وهكذا إلى الأزل وحتى نهاية الحياة.
سكت الرجل.. تحرك بخطاً وئيدةً راسخة وفتح شباكين على جدارين يطلان على شارعين فرعيين، تناهت إلينا من خلالهما أصوات متنافرة كنا نتبين فيها ضحكاً وحزناً، وهدوءاً وضجيجاً، ثم فتل جسده نحو المرآة وتقدم متمهلاً منها حتى خلنا أنه سيدخل في عمقها البعيد، ثم إذ تبدت لنا الصورة واضحة جلية تضرب عليها أضواء الشارع وألوان الجدران، توقف عند نقطة معينة وجعل يتأملها تكاد نظرته تغوص في تلاوينها وإشعاعاتها، ثم كاد يرفع قبضة مشدودة يحطم بها جبهتها، فما لبث أن عاد إلينا بوجه يلعب عليه ذلك المرح الذي يلعب على الوجوه حين تستعيد سعادتها وقال في حبور:
-وهكذا انطوت ذراعه على ذراعي وقبل أن انعطف به ثانية إلى دار الحكمة، أغواني بالعودة إلى غابة العشاق فغلبني وغلبته.
وانسل من صفوفنا الذاهلة كما ينسل السعيد من أقران تعساء.

حنون مجيد .. قصة : الغـــريب

                                                                            الغــريب
الرائحة ذاتها.. قلت وأنا امتلئ بعطر ذلك الزقاق القديم الذي دببت عليه بخطوات سعيدة أكثر من ربع قرن، وفارقته منذ أكثر من ربع قرن.
خمسون عاماً بين حضور كامل وغياب تام، فما الذي أتى بك إلى هنا أيها الغريب؟
عيون مستوفزة تطالع وجهك، تتحرى ملامحه بتهيب واستغراب ولعلها تقول من هذا المترف الذي يشق قذارة الزقاق بعطر يفتن قلوب النساء ويثير الحسد في نفوس الرجال.
الرائحة ذاتها.. العطر ذاته، الساقية الضيقة التي تشق الشارع المنحدر قليلاً.. مياهها الآسنة وضفافها الملوثة أبداً ببقايا طعام فقير وعبث أطفال وما تخلفه أقدام وراءها في رحلة الصباح وعودة المساء.
حقاً.. ما الذي قادني إلى هذا الزقاق الذي نام في ذاكرتي طويلاً واستيقظ فجأة، فانعطفت نحوه منقاداً أبحث عن نفسي فيه، وأفتش عن خطواتي الضائعة على حفافيه، بل أدقق في اللحظة التي وُلدَ فيها أول هواي؟
سليمة: أيتها الغزال الذي مر في الغابة سريعاً ولم يترك لصياده سوى صدى رميته الموؤدة الأولى، هل صحيح أن ما يحدث للمرء أول وهلة أصدق ما يمر عليه على مدى العمر كله؟ وأين أنتِ من هذا كله وأنا أقف قبالة البيت الذي احتوى جسدك الجميل وسرب لأسماعي صدى ضحكاتك الثرة، فأرى وجوهاً مغبرة نثر عليها الزمن رماده الثقيل، تحدق في وجهي المتطفل وتنفر منه أو تزور عنه، ومن يصدق إنني الرجل الذي سكن الجانب الآخر من المدينة وفي أقصى نقطة فيه، أقف الآن تحت تفاصيل البيوت القديمة أبحث كالمأخوذ في خفايا طابوقها المهترئ عن رسالة مغفلة من الأسماء كنت تخبئينها لي هناك فأقول محزوناً، تلك براءة مضت وذلك زمن ولّى.
البيوت القديمة قدمت وتآكلت.. وجوانبها انتفخت أو مالت.. وسوى دارين في أول الزقاق رممتا وطليت واجهتاهما، وكتب على الأولى بخط عريض ركيك (الملك لله) والثانية (الدار للبيع) لقلت إن المحلة آيلة إلى خراب لا علاج له. وحتى هاتان الداران لم يكن يلوح عليهما إلا ما يلوح على عجوزين قميئتين صبغتا وجهيهما بأصباغ زائفة ورتوش.. ويا أنتِ يا سليمة كأنك وسط هذا الخراب ما زلت صبية تخطرين بثوب أخضر مهفهف وضفائر سود.
وما لهذا الخيال الذي يضطرب الآن على أعصاب تتهاوى على أصوات النساء تنداح وراء الرجال والأطفال، فلا تملك إلا أن تجري وراء تيار عاتٍ فتنعطف بصاحبها نحو بيت النشأة الأولى وإن كان يقع في زقاق فرعي قصير ومسدود!
الوقت عصراً وأجمل الأوقات هنا العصر.. وامرأة عجوز خرجت منه وجعلت جلستها أمامه وأعطت ظهرها لحائط منتفخ منه.. المرأة تتطلع فيّ هي الأخرى .. غريب مرة أخرى والأغرب أنه يدخل طريقاً مسدوداً لم يكن طرقه من قبل ولا يعرف أحداً فيه ولا يعرفه فيه أحد أواه.. متى يعرف الناس حقائق الناس؟
قلت لأسلم عليها وأختلق موضوعاً للحديث معها فلا يزال الناس لا يأكلون الناس، وحتى لو حدث هذا فمن سأكون سوى شهيد العواطف النبيلة والنوايا الصادقة؟
-مساء الخير
هبّت محيية.. تماماً مثل أمي تلك المرأة القديمة التي تحب ولا تكره وتقابل الآخرين بعواطف الأمهات.. وقبل أن تجيب مساء الخير كانت قد تقدمت قليلاً مخلفة بعض ثلم حجرية صغيرة تساقطت تحت أذيالها، ثم صمتت بانتظار كلام آخر.
وخشية أن ينتاب قلب المرأة ما ينتاب قلب المرء من رجل يظهر فجأة ولا يشكل مظهره ألفة مباشرة أو سريعة بادرتها:
-أهذه الدار للبيع؟
التفتت المرأة نحو الدور المجاورة ثم حين لم تجد ما ينبئ عن دار معروضة للبيع عادت وعلقت على وجهي نظراً طيباً سمحاً وقالت:
-أي دار تقصد؟
-هذه الدار التي نقف أمامها.. داركم أقصد أو أية دار أخرى.
قالت:
-آه- كلا
وخلتها ضحكت ضحكة خفيفة، وعلى الباب القديم الذي ظل محتفظاً بقامته القصيرة ولونه القهوائي المعتم اشتبكت رغباتي.. فخلف الباب القزم هذا تكمن أجمل مخلفات عمري وفي حفرة من حفر حيطانه الداخلية الكثيرة أخفيت عن أهلي –أمي وأخي الأكبر- في ورقة صغيرة مطبوعة أسمى أسراري وأقربها إلى نفسي.. ترى أما زالت الحفرة تلك تحتفظ بتلك الوريقة التي كنت اكتسبت فيها اسماً مضافاً وهوية جديدة؟ والغرف الفوق والغرف التحت.. والسرداب البارد الذي اندفنت في قاعه المظلم مكتبة أدبية ظن الأخ أنها تؤدي إلى السجن أما زالت موجودة كما كانت في السابق من دون أن يطرأ عليها تغيير ما؟ ورائحة البيت.. تلك الرائحة المضفورة من طابوق عتيق توالت على الحفر فيه سنون وخشب قديم دَبّت عليه في سواق مسقوفة دودة بيضاء، أما زالت هي ذاتها تنتشر في الأرجاء كل صباح ومساء؟
يا امرأة تشبه أمي، لا تزال واقفة كما لو أنها تستلهم مني رائحة ابن مفقود افرجي الباب قليلاً وقولي تفضل أو هات لي قدح ماء لأطل من فرجة الباب، بل لارسل روحي تفتش كالطير الهائم عن سر هنا وسرٍ هناك.
وحقاً كنت أشعر بالعطش، ولربما بدأ هذا العطش ينتابني الآن، وامرأة مثل هذه لا تبخل بقدح ماء ولا تتحرج إن سَقَت رجلاً غريباً هو في كل الأحوال في عمر الأبناء.
-ماء عذب.. سلمت يداك.
كان جزء الحائط الذي نفذ إليه نظري في المجال الذي أتاحته فرجة الباب.. ذاته لم يطرأ عليه تغيير كبير باستثناء ما جرى للنقوش الزمنية التي تهرأت وكثرت عليه، وعدا هذا فقد كان يلوح هناك على جزء آخر من الحائط شيء بلون أحمر لم أتبينه جيداً، ربما كان بساطاً صوفياً رقيقاً أو شيئاً من هذا القبيل أقيم على الحائط ستارةً أو غطاءً، ولم أكن أرى سوى حافته الجانبية وجزء يسير منه كلما مال رأسي أثناء الحديث. ولولا أن المرأة كانت لوت الستارة الداخلية التي تسدل عادة خلف الباب مباشرة وعلقتها على مسمار أو شيء آخر لانعدمت رؤيتي ولما نفذت إلى داخل الدار.
كان الداخل يستهويني بل إنه كان يدعوني، فهناك نمت وهناك استرخيت وفي الأعالي قرأت ومن زاوية سرية أطللت وراقبت وأحببت، ويبدو، حقيقة، أنّ لا شيء داخل البيت قد تغير كثيراً، فحتى الضوء الكابي الذي سبق أن خبا عليه جراء القراءة جزء من نظري.. نفسه.. درجة الإنارة نفسها ولربما كانت الظلال المنبثة في الزوايا والحفر والأخاديد نفسها.
ردّت المرأة في شيء من عناء وقد طردت عن أنفها ذبابة كبيرة استقرت عليه.
-عافية.
وكأنها كانت تريد أن تضيف شيئاً حينما تلجلج في داخلها صوت ما.. لربما كانت تريد أن تقول وما يدعوك للسؤال عن دار للبيع هنا وأنت الذي يتراءى عليك ترف من نوع ما؟ ولكنني أعرف وقد يكون ذلك تصوراً قديماً لا غير، إن الناس الذين يعيشون هنا من أجناس مختلفة وفيهم من هو أفضل ملبساً وصحة مني، فإذن ثمة كلام آخر ينطوي عليه صدرها قبل أن يختلج به لسانها.. والبسطاء على سماحتهم يستسهلون قول أي شيء، إذن لأترك المرأة تلف أوراقها على ثمرتها ما دامت فجة وأغادر الزقاق. ويظهر أن المرأة هذه كانت حقاً تجد صعوبة فيما كانت تود قوله.
فقد صدر صوتها مرتبكاً يعانق روحي المضطربة على أكثر من سؤال:
-تكلم .. أتسأل عن أحدٍ ما؟
كانت ظلال العصر قد كبرت وشاخت وكانت منذ حين قد نشرت أجنحتها على حنايا الطريق إشارة استجاب لها أول من استجاب أصحاب الدكاكين العاطلة لإغلاق دكاكينهم، والنساء للجلوس أمام بيوتهن، والرجال للهرب من بيوت ضيقة نحو المقاهي الصغيرة التي نما عددها عند مبتدأ الزقاق، وباعة جوّالون يعودون إلى بيوتهم وفي أذهانهم نسب هلامية من خسارةٍ أو ربح.
-نعم.. تكلم.. قل أي شيء.
تبددت الظلال.. انتشرت شمس صباحية ربيعية غمرت الزقاق بأشعة ذهبية كانت سليمة تتأود تحت فيضها بترف صباها الثائر وعطرها اللذيذ حرة من دون رقيب أو عذول، تلّوح لي بنظرات سود وتعض على إصبع يدها بأسنان بيض.
-نعم يا والدة- إن لم يكن في هذا من خطر علي!
-سَلْ وقل ما تريد.
قلت كمن يلقي بشيء يكوي جوانحه!
-سليمة وأهلها.. كانوا يسكنون البيت ذاك عند منتصف الطريق.
وهي تعرف لا بد –سليمة.. لا أحد لا يعرف سليمة ذات الوجه المدور والساقين المكتنزتين، التي ما أن يراها أحد إلا ويحفظ صورتها ويحتفظ بذكرى عطرها.
أجابت المرأة:
-نعم وصمتت..
كنت أود أن أقول لها: أين هي، وماذا حلّ بها، وعلى أية عجلة مرتبكة يدور بها الزمن الآن؟ إنما قبل أن تنعطف من تلقاء نفسها وتدخل الدار، استجابةً لنداء من هناك، فاستأذنت بحياء وخلفت سؤالي حائراً يترنح على صمت مأخوذ بحيرة الجواب، فتيقنت وقد ألمّ بصدري ألم ما، إن شيئاً لا بد حدث لسليمة مثلما حدث لآخرين، ولعله –يا لبؤس عقلي المشوه- كان أكبر من نفسها الغضّة الصغيرة، تركها تجوب الطرقات مثل تلك المرة ذات الجمال المشوه التي تقطع المسافات وتقول ما لا يقال، والتي كلما صادفتها ذكرتني بها، من يدري؟ قلت وأنا أتراجع خطوة بعد خطوة بعد أن انقطع الحديث وهو في أولـه وانغلق الباب، ما الذي يحدث لشخص فارقته خمساً وعشرين سنة حفلت بما حفلت به هذه السنوان؟
وعلى أذيال خطواتي المرتبكة عادت ظلال العصر فانتشرت من جديد.. لفت بدقائقها السمر آخر بقايا الشمس التي حاولت أن تتشبث بمواقع لها عند أعالي الجدران..
من هناك.. من حديث الدكاكين التي أغلقت والمقاهي التي انتشرت.. النساء اللواتي تربعن أمام بيوتهن والجامع المزار الذي انحدر تحت مستوى الرصيف ببابه الملطخ المغلق.. الجدران التي تآكلت أو مالت أو تورمت.. الساقية التي اكتظت ببقايا طعام ووحل وطين انبعثت الرائحة عينها.. تفشت كما لو على أجنحة ملائكة.. رائحة لها دوي خاص تضج بدقائق الزمن والطابوق وأصداء ضحكات سليمة التي تذكرني بها- لا أدري لماذا -المرأة ذات الجمال الذابل تلك.
على خطواتي المبعثرة التي كانت تلجم رغبتي في الخروج من الزقاق، كان جسدي يتهاوى.. تطوح به أهوية ورياح كانت تهب من كل نافذة وباب، حتى إذا أوشكت أن أخلف ورائي جسد الزقاق، هبط كل شيء في عتمة مفاجئة كان الناس عندها يقولون: افسحوا الطريق للرجل الغريب ذاك أو قودوه إلى حيث يريد.
وكانت ثمة يد حانية بيد الرجل ذاك تجنبه حفرة في وسط الطريق وواحدة أو اثنتين على جانبيه، كان المساء الثقيل يخفيهما عن أعين الغرباء.

حنون مجيد .. قصة قصيرة : دعـوة للراحـة


دعوة للراحة
« إلى نعمان مجيد »
كان علي أن أجازف حقاً لكي أمد يدي لما كانت تحاول أن تسلمنيه من بين فتحات قفص حديد مغلق، يد مضمومة على شيء حسبته منذ الوهلة الأولى رسالة أو وصية إلى أحد ما.
كانت اليد تتحرك في إقدام وإحجام دائبين على حركة عيني صاحبها وهما تراقبان الشرطي الذي أسند جسده إلى مقدمة سيارته التي أوقفها وسط ساحة تشرف عليها دائرته، وطفق يقرأ جريدته بانتظار أمر ما.
في حركة صامتة، حركة من يحاول أن يختطف شيئاً أو يسلّم شيئاً ذا خطر كبير، غافلت الشرطي السمين ذاك، وأنا أراقب في الوقت ذاته جسده المرمي بثقله الهائل على مقدمة سيارته، واليد التي كانت لا تني تجهد في أن تلقي بيدي ما كانت منطوية عليه، والتقطت من بين أصابع نفذت من إحدى فتحات القفص المرتبط بجسد السيارة الخضراء، ورقة مطوية أودعتها زاوية جيبي قبل أن ينتبه الشرطي لوجودي، ويهتف بي: قف ما الذي تفعله هنا؟
ولكي أمنح الشرطي فرصة كافية لتغيير وجهة نظره، ما دام الشرطي هذا سميناً بهذا القدر، ولم ينعطف نحوي إلا بوجه منتفخ منع إفراطه في الحجم أن يبدو عليه أي شكل من أشكال الانفعال أو التعبير، فإنني تقدمت نحوه بثبات ومددت يدي إلى الجيب الذي ترقد في زاوية منه الرسالة وأخرجت علبة سجائري.
ألقمت فمي سيجارة وتهيأت لتقديم أخرى له في هدوء رصين كان كافياً لتبرئتي مما أثار شكوكه ويقطع عليه تحقيقه معي ويقول وهو يتناول السجارة بود:
-حسبت أنك كلمت السجين ذاك، أو ناولته شيئاً.
قلت بفرح غامر يؤطره الهدوء ذاته الذي كان يتنامى في داخلي حيناً بعد حين :
-آه .. كلا.. أنا لا أعرفه ومن هو ذاك؟
ابتلع الشرطي مع أنفاس سيجارته ما كنت أود حقيقة معرفته، لما نشأ بيني وبين الرجل من علاقة أقامتها الورقة المطوية التي رقدت في جيبي آمنة مطمئنة جوار علبة سجاير، الله وحده يعلم مدى حاجة صاحبها ولو لسجارة منها.
في إطار رغبة عارمة أشعلتها في نفسي السجارة التي كنت أرتشف أنفاساً عميقة منها، وددت لو دسست العلبة في يد الرجل السجين، فلعلها تخمد في نفسه حرارة ما، أو تكون أنيساً له في وحدته هذه التي لا بد أنه يعاني الكثير منها الآن.
ولأنني لم أعرف من الرجل الواقف أمامي سوى أنه شرطي سمين ويمتلك قلباً طيباً، أو هكذا قدرت، فلقد أرجأت ما فكرت فيه ريثما تسنح فرصة مناسبة أخرى.
خطا الشرطي خطوات ثقيلة وأحاط القفص والرجل القابع بين أركانه بنظرات جعل منها أن تكون دقيقة وصارمة وتعلن عن الرغبة عن وجودي.
ولكي أمد يدي نحو ما كنت فكرت فيه أو عزمت عليه، ولأشعره بأن بقائي مرتهن بقراره، فإنني قلت:
-أرجو أن تكون انتهيت من سؤالي فأنا على موعد مع صديق في السوق.
قال وهو ينفث آخر أنفاس سجارته:
-آه .. أنت ذاهب للسوق.. حسن.. إذن انصرف.
قلت في مجازفة أقل خطورة ومخاطرة:
-وهذه العلبة لك.. فأنا في طريقي لابتياع غيرها.
تناول العلبة، بشغف ومن دون تعليق، ثم وأنا أمضي خفيفاً مرحا، أضفت:
-ولا تنسَ أن تتلطف ببضع سجاير على الرجل السجين ذاك.
فيما كانت يده تناور لتفرغ عدداً أقل من السجائر للسجين، انعطفت بعيداً عن الساحة نحو فتحة السوق.
كان السوق على تفرعاته العديدة غاصاً بالناس.. حشود من البشر جاءت لتلتقي فيه على أهداف تجتمع هنا وتفترق هناك، وفي دوامة كانت النظرات المبهمة خلالها تثير الخوف والشكوك.
وعلى الرغم من كل ذلك، فلقد ابتعدت عن الشرطي، قلت، ورحت أبحث عن مكان آمن أقرأ فيه الخطوط القلقة السود التي طرزت جنب الرسالة لعلها تكون هي العنوان الذي يقودني إلى حيث يريد الرجل لرسالته أن تكون.
كانت الكتابة رديئة.. ولا شك أن الرجل استغل وجوده وحيداً في القفص المغلق، وكتب كلماته السريعة بخط مضطرب يفصح عن وعورة الطريق الذي سلكته السيارة لكي تصل إلى هذا المكان.
حسن.. قلت، خط جيد.. خط رديء.. ماذا يهم إذا كانت الرسالة ستصل، وسيقرأ مضمونها أولئك الذين تخاطبهم من هذا البعد ومن حيث لا يتوقع منهم أحد.
كنت أقول هذا، وأقول غيره، مما يتعلق بنفسي كذلك، وأنا أقطع طريقاً طويلاً، وأفكر بما سيكون موقفي بعده قياساً على نوع الناس في ذلك المكان الذي أرشدني العنوان إليه.
سيبرز لي في مثل هذا الوقت، رجل لم ينم من قيلولته سوى عشر دقائق، أو امرأة مسنة انشغلت عن قيلولتها بتنظيف أواني الطعام، أو فتاة بعمر الورد مضت تقرأ ديوان شعر رغم حرارة الجو ورغبتها في النوم. وسيقطع كل منهم طريقاً طويلاً عبر حديقة واسعة أو مماشٍ مبلطة بالرخام، وقبل أن يعرف شيئاً مما جاء بي إلى هنا ستسبقه نظراته المستفهمة وسيتساءل عن سر وجودي إذ لم أكن صديقاً ولا حتى ساعي بريد، ومن يدري ما الذي سيقوله قبل أن تمتد يده، هذا إذا امتدت، إلى بوابة الحديد.
كنت في حقيقة الأمر مستغرقاً في ما كان جسدي ونفسي ينضمان عليه، وثمة فضاء جميل عبر السكة الحديد أوقع في نفسي صدى الفضاءات الجميلة التي تحاذي المدن الحديثة إلا أن عمود الحديد الذي هبط ببطئه الثقيل أوقف حركة الناس والسيارات، وعطف رقاب الجميع نحو قطار بعيد يصوّت بصوت واهن ويتقدم بحركة بطيئة يجعلها، البعد ذاك، أشبه بحركة سلحفاة.
لم يمض وقت طويل حتى جاء القطار يتهادى على ارتجاجات متعاقبة وفي تراتب ممل، كنت كلما وجدت أن علي أن أنتظر مروره الثقيل وجدت كذلك أن يدي كانت تمتد دون وعي مني إلى زاوية جيبي تهصر الرسالة آناً بعد آن.
ومن يدري كيف تنبت الأشياء أو كيف تفز من غيبوبتها وهي في تراكمها العشوائي مما هو مزيج من غريب ومثير، حين ترادفت مع عجلات القطار عجلات كانت تتلاحق، تحت الشمس، تلاحقَ بَرقٍ مجنون وينفذ إلى الجانب الآخر من السكة الحديد ومن فجواتها اللامرئية، كلب يغامر بحياته بعد أن حاصره من الجانبين أطفال شقاة.
لقد مر القطار واختفى الكلب بعد أن ظل برهة يرقب ما جرى لـه، وانفتح الفضاء الرحب وانزاح ثقل حديدي خَيَّم على صدري زمناً لأتنفس الصعداء.
خلف الفضاء ذاك كانت المدينة نائمة تصارع في ظاهرها هجير القيلولة بحدائق كثة وأشجار عالية، وهناك من حيث لا أدري ولم أحتسب ضاعت خطواتي، فكل ما كان يلوح أمامي بدا غريباً مستغلقاً فليس أكبر من هذه المدينة، أما تفرعات شوارعها وتشابكها فأمر يوحي بأنها مصنوعة لكي تضيّع خطوات الغرباء، ولكي تكون كذلك حقاً فإنها جعلت من الصمت المطبق عالمها الذي يجب أن تعرف به في مثل هذا الوقت.
ولولا بعض الأشباح التي كانت تختطف أقداماً سراعاً نحو بيوت بعضها البعض في زيارات بدت ذات أغراض شديدة الضرورة، لقلت إن المدينة تسبح في عالم آخر غير مألوف وهو كذلك، إذ ليس ثمة من طفل يحبو تحت ظل الجدار أو آخر يقطع طريقاً نحو دكان، أو امرأة تتدثر بعباءتها اتقاء الحر، عائدة أو في طريقها إلى سوق.. وأين هو الدكان، وأين هو السوق، بل أين هم الناس؟
كنت في سري أتمنى ولا أتمنى أن أطرق بيتاً وأسأل أحداً عن البيت على الرقم الذي بين يدي، فكنت كلما هممت احجمت وكلما تراجعت تمنيت لو تقدمت لأجد في النهاية تبريراً يمنيني بالتزام الصبر ويشجعني على المضي قدماً في تنفيذ مهمتي بالصمت نفسه الذي يسود المدينة الآن.
كانت رغبتي، كلما اشتد تخبطي في الطريق، تشتد هي الأخرى في معرفة ما تحمله الرسالة من أخبار تنبأت بسوئها منذ استعدت نظرات الرجل التي تميزت حال استلام الرسالة بقنوط حزين، إذ ما الذي يمكن لرسالة من رجل له وضع الرجل هذا، أن تحمل غير أخبار محزنة يتوخى إبلاغها ذويه، ليكفوا عن عمل صار غير ذي جدوى وليركنوا بعد ذلك إلى سلام لا بد منه؟ ثم ما الذي سيكون عليه موقفي لو أنها كذلك إلى الحد الذي لا يحسن أن يبلغها إلاّ رجل مسؤول مكلف بعمل مثل هذا وعلى شرط وظيفي غير الذي أنا عليه؟
وإزاء ما كان يضيّق الخناق علي رجوت أن تحمل الرسالة أخباراً سارة تقول مثلاً: أخبركم.. لقد انتقلت إلى مكان أفضل، وأتوقع زيارتكم القادمة على عنواني الجديد أدناه، سلامي لوالدي ووالدتي وقبلوا عيون أخواني الصغار، ثم يحاول أن يقول شيئاً في عبارة مقطوعة يلمح فيها إلى شعوره إزاء حبيبته كأن يقول وسلامي وأشواقي الخاصة إلى..
أو يقول: غداً سيفرج عني.. أعيدوا ترتيب غرفتي وانفضوا التراب من على كتبي ودفاتري، وقبلوا قبل يوم واحد من قبلاتي عيون أخواتي، ثم لا يتحرج أن يضيف ويقول، وقبلوا من بعد عيني سهاد حبيبتي.
كان الرجل شاباً، لايزال في عنفوان عمره. ولولا نظرات اليأس الحادة التي تنبعث من عينيه والشحوب الذي صبغ وجهه ويديه، لقلت إنه في الرابعة والعشرين أو الخامسة والعشرين من عمره.. تماماً كعمري أنا هذا الغريب الذي يحمل رسالته ويبحث عن داره.
وراودتني الشكوك كرة أخرى، إذ هل يعقل أن تحمل الرسالة أخباراً طيبة ويسعى صاحبها إلى إبلاغها بهذا المسعى؟ أما كان يمكن أن يكلف الشرطي ذاته للقيام بالعمل هذا في أية ساعة يشاء من هذا اليوم أو من غيره، ثم لماذا اليد مختلجة على ورقتها والترقب القلق لكل حركة، والحذر الكامن خلف العينين الحزينتين؟ وأخيراً ما حاجتك أنت لأن تكون نذير سوء؟
على هذا وذاك مما كان يحتدم في داخلي، نهضت في نفسي رغبة حادة في أن أفتح الرسالة وأقرأ محتواها، وعلى هذا قلت، يتحدد موقفي فإما أن أسلمها لأصحابها لأبث في نفوسهم فرحاً وسعادة وإما لا.
وانثنيت عن مواصلة التفكير بمثل هذا الاتجاه، فالرسالة لا تعدو أن تكون أمانة علي أن أسلمها لأصحابها من دون تدخل مني تفرضه علي عواطفي وهي لأنها كذلك فإن من غير اللائق فتحها وقراءة كلماتها والاطلاع على أسرارها.. لقد قمت بعمل أرضى غرورك فنذرت له نفسك منذ لحظة اشتباك الأصابع عبر منافذ الحديد، كما لو على عهد لا مندوحة من الإيفاء به.. نعم، لم يكن لقاء الأصابع ذاك لقاءً عابراً، إنما كان اشتباكاً منفعلاً، كانت أصابعك فيه تتحرك على نداء سري عات كانت موجاته تتناهض كل لحظة حتى بعد أن حلت الرسالة في مكانها الأمين.
ولا أدري عبر كل ما كان يموج في داخلي إن كنت راوحت في نقطة كانت عند أول الشارع، أم كنت قطعت شوارع وأزقة وحارات حتى وصلت إلى هذا المكان.
عموماً لقد اكتشفت أنني أقف عند أول الشارع البعيد بعداً نسبياً عن سلسلة الدور التي تنتمي إليها تلك الدار، وأن تعباً يستيقظ في ساقي، وإن عروقاً من العرق الحار كانت تسيل من قمة رأسي حتى قدمي. كانت أرقام الدور تتهاوى بطيئة تحت نظري، وكان يخيل إلي أن أحداً محدداً ينتظر قدومي ليشد على يدي ويبارك عملي ثم يطلب إلي الدخول إلى الدار يحميني من حر الشارع، وهناك يناولني كأساً من ماء بارد ثم يدعوني قبل أن يفتح الرسالة إلى أن أقص عليه كيف حصلت عليها، لأغادر الدار مثلما دخلتها تاركاً كل شيء لمنطقه الذي لن يكون لي به دخل بعد ذاك.
نعم.. ها هي الأرقام تتعاقب رقماً بعد رقم والبيوت تتوالى بيتاً بعد بيت، حديقة بعد حديقة، وباباً بعد باب، على شارع ممتد لا ينتهي إلا ليغوص في غابة نخيل تُقاطع السكة في طرفها أقصى المدينة وتنتهي عند الجانب الشرقي منها بعد أن زاحمها فوق الشارع الذي يحاذي خاصرتها جسرٌ حجري حديث.
ثم ها هو الرقم المطلوب، الرقم الذي بدا أكبر الأرقام جميعاً وأوضحها وأكثرها تشوشاً كذلك.. كان الرقم يبرز ثم يخفت وعلى ضوء لم أكن أعرف إن كان ينطلق أو يرتد.. وها هي بوابة حديد مشبكة تشابه القفص الحديد، الذي اختفى وراءه الرجل السجين، تفضل البيت عن الشارع الذي لا يلوح عليه الآن سوى رجل مضطرب الفكر مبلبل البال، وبضعة عصافير تركت حديقتها الفائضة بالماء، وركنت إلى أسفل الجدار تلتقط ما راح ينجو بنفسه من الغرق، من حشرات أو دويبات..
عند الباب الحديد ذاك، وعبر بصر غائم لا يريد إلا أن يرى ما كانت سطرته يد مضطربة على اهتزازات قفص حديد ملحق بعربة خضراء، امتدت يدي إلى الرسالة وفتحتها..
رميت الرسالة عند أقدام الباب وأسلمت خطواتي لسرعة عجلى فيما كانت امرأة ذات رأس أشيب وعينين قلقتين، تتقدم نحو الباب لتفتحه على خطوات رجل متباعد غريب لم تعرف ما الذي كان وراءه في مثل هذا الوقت.
قبل أن تعود تغلق بابها وتفكر في طمأنة الرجل الذي تبعها، انحنت المرأة على ورقة صغيرة مدعوكة كادت تأخذ بها الريح، جذبت لأمر ما انتباهها، والتقطتها
سوت طياتها وقرأت.
(لا تقلقوا بعد الآن.. سلامي إلى الجميع)
رمت الورقة، وألقت برأسها على كتف الرجل الذي كان قد لحق بها، ومضت معه صعداً في غيبوبة البكاء.

حنون مجيد .. قصة قصيرة : ظنــــون

قبل أن يضع قدميه على مقدمة الجسر تنبّه، كما لو في يقظة مفاجئة، إلى أن ثمة سراً ينطوي عليه صدر هذا الصباح، حين ارتدت لمخيلته القريبة صورة الساحة الترابية الكبيرة التي تتصدر جبهة الجسر، وقد انكمش في فضائها الرحب عدد من بائعي السلع والحاجيات الرخيصة فيما انسحب آخرون منهم إلى أماكن مجهولة تاركين عرباتهم بلا أصحاب.
أما النهر الذي يشطر المدينة إلى شطرين، فلقد انعكست على صفحته الدافقة صفحة نهار طلق كانت تتحرك تحت سمائه الزرقاء حشود بشرية مدلهمة معتكرة لا أول لها، تعبر، في عثار متصل، الجسر الذي يربط بين سوقين شعبيين.
غادر الرجل بغداد مع السادسة صباحاً، إذ يحلو له السفر إلى هذه المدينة في وقت مبكر لما يحققه الجو المشبع بالظلال والندى من راحة عميقة تعيد لـه صدى الصباحات البعيدة التي غرز في حقولها الندية أقدامه الصغيرة ذهاباً إلى مدرسة، أو سعياً وراء هدف.
كانت المدينة في أول صحوها تلتقط مع الربع الأول بعد السابعة أطراف يقظتها، شوارعها المستقيمة شبه مهجورة وأزقتها الملتوية سمراء لم تنفذ إليها شمس بعد، وكان ألقى أنظاراً، فيها جذل على أبواب مغلقة يدور خلفها الصمت، وأخرى مواربة، انسلّ قريباً منها، نحو دكاكين محاذية أو مجاورة، بعض أهل.
كل ما في هذه المدينة التي ينزع لزيارتها من حين لآخر، يرسم لعينيه صوراً من مدن جميلة أمضى فيها، في أعمال وظيفية، أزماناً مختلفة، بل إنها وفي بعض ملامحها تذكره بأول حي وطأته قدماه بعد أن هجر قريته إلى بغداد، كان الحي ظليلاً وأزقته دكناء تتطلع عبثاً قبل العاشرة إلى الشمس، أبوابه مغلقة حتى ما بعد السابعة صباحاً، أما نساؤه وأجملهن سليمة فكن بيضاوات يزداد بياضهن كلما.. وكثيراً ما، تلفعن بالسواد.
بدأ الجسر يشتد ازدحاماً، تتوقف الحركة فيه حيناً ثم إذا انفرجت شيئاً اشتدت ثانية ليصبح العبور إلى الجانب الآخر، من بعد، عسيراً.
يستلقي نظره على الناس في انبساط تلقائي طلق، رجال موظفون أو متقاعدون حرصوا على نظافة ملابس متعبة يأخذون سبيلهم بصمت وصبر، أيديهم مسبلة وعيونهم إلى الأرض، نساء متلفعات بعباءات سود حائلة يحملن حقائب وأكياس التسوق، يثرثرن قليلاً ويتشوفن بقلوب واجفة لمقررات السوق هذا اليوم، أطفال شبه حفاة يلوذون بأذيال أمهاتهم، حذرين مما قد يلحقهم من أذى جراء احتدام الأجساد، مشتتو الفكر في ما عساها تجلب لهم رفقة الأمهات إلى الأسواق، وعدا شبان يحاولون أن يشقوا طريقهم عنوة منفعلين باختناقات الجسر، فلم يكن هنالك من يبدو عليه أنه في عجل من أمر.
صورة مغرقة في الواقعية، فكر، وهو يشم في هذه الحركة وهذا الزحام رائحة الناس والعمل، بل إنه كان يرى في الوجوه على ما يرين عليها من انسحاق وعبوس، صور الوجوه العميقة التي زرعتها في رأسه خيالات القصاصين ورسوم الرسامين.. وجوه حادة مظللّة تضرب عليها حزم الشمس الناهدة فلا تزيدها إلاّ دكنة وعمقاً يؤطرها ذلك الذي يبدو هماً دفيناً يغرب نظرتها ويذكي من اغترابها.
وعلى الرغم مما كان يتبادله هؤلاء من أحاديث عابرة، فلقد ساد الجميع طابع الصمت الذي يعانق ترقباً ما، حتى ليخيل للناظر من بعيد أن أولئك ليسوا سوى غرباء لم يربطهم إلى مسعى واحد غير الجسر وتينك السوقين.
عند سفره يتحرر الرجل من بغداد، من طغيانها الجارف وسطوتها الجامحة، فهو هنا يراقب الناس بحرية ويسر، تستثيره صورهم المرسومة بيد فنان فطري آلى على نفسه إلا أن تكون أنامله حادة جارحة.. ينظر إلى عيونهم، يستقرئ انفعالاتهم وأحاسيسهم، يستبطن ما تحت هياكلهم ويتوغل في خفاياهم، يختلف إلى مقاهيهم، يتلصص بمجانية مطلقة على قصصهم، ويسترق السمع إلى شكاوى فلاحين وفدوا إلى المدينة لشراء حاجة أو زيارة طبيب. وهو لا يسعد لأن أحاديث هؤلاء تبعث في صدره رائحة أحاديث أولئك الذين عاش بينهم طفولته وحسب، إنما لأنه يستعيد في صدقها وفجاجتها وعمقها صورة: أرض تفجرت عن ماء دافق، أو جدول تشققت أرضه بعد أن جف ماؤه، أو طائر رفرف بجناحين مجهضين تحايلا على ثعلب وطأ عشاً لـه فيه أفراخ صغار.
في طريقه إلى المدينة ذي يستعين على بعض جفافات الطريق بديوان شعر يقرّظ للطبيعة يقرأ فيه*:
غبار على الماء تنطلق اليابسة.
لتطوي بنا الدهر، كنا نبايع ما يبتغيه الغبار
ونفرح لما يصد الجدار
لماذا نقلب هذا الكتاب وتلك الجريدة ثم يميل النهار
ولا نقرأ النهر حين يحط الغبار؟
أو بآخر يغازل فيه شاعره عيون حبيبته!**
أعميقة العينين لما ملت أنهل منهما
أبصرت مرآة تخايل ماءها كل الشموس
ويرتمي فيها لقاء الموت كل اليائسين
عميقة العينين حتى إن ذاكرتي تتوه
أظلت الأطيار أمواج المحيط المضطرب
الجو يصحو فجأةً فتحورت منك العيون
وفصل الصيف السحابة في إزار ملائكة
إن السماء على حقول القمح أزرق ما تكون
على تثاقل حركة الأجساد واشتداد تلاحمها، ثم وهي تزحف زحفاً عسيراً، منصرفة بكل طاقتها إلى جانبي الجسر، توقف الرجل وبدأ يستطلع قامات الناس المعلقة بنقطة معينة من النهر.
فتح عينيه وأرهف أذنيه واستدار نحو الجهة التي اتجهت إليها الأنظار، ثم طفق يبالغ في إصغائه لما أضحى هؤلاء يهمهمون به من أحاديث ما كان يتبين منها سوى أسماء أشخاص.
كان الناس على ما بدر منهم من ذكر للأسماء يقتصدون في أحاديثهم ويتكتمون في تداول أخبارهم، يخالط ظنونهم شيء من بلبلة مصحوبة بخوف، إذ قد ينفرد رجل بآخر ويسر إليه باسم معين، أو قد تشاور امرأة أخرى على اسم آخر، فيما كان الشبان والأطفال يذكرون الأسماء في تردد أقل وفي حافظة كما أن ليس من دأبها إلا اختلاق الأسماء.
فيما كان هؤلاء يقترحون الأسماء اسماً بعد اسم أو يضيفون إليها وفي حالة أشبه ما تكون بامتحان للذاكرة عمن قتل في تاريخها الطويل أو أغرق أو مات، كانت هنالك أسماءٌ أخرى تتردد على ألسنة آخرين: ساق شجرة، حيوان نافق، بقرة، حصان، كذا، كذا.
ولكي يستنتج رأياً محدداً عما راح الناس يختلفون فيه فقد تطاول على رؤوس أصابعه وسرح بصره إلى حيث أبصارهم تشير. نعم كان ثمة نقطة سوداء بعيدة بعض البعد، تتقدم متباطئة ضاق بثقلها الموج، فاسترسل مندفعاً فوقها متقدماً عليها من دون أن يغير كثيراً من قرار سرعتها أو تقدمها.
كانت النقطة هذه تقترب رويداً رويداً، ولكن في تهادٍ ثقيل ثقيل كما لو أنها تحاول أن تستنزف ما أمكنها فضول الآخرين، وكان الشيء الذي تراءى للناس منها رأساً- غارقاً بعض الشيء لا يلوح منه إلا الجزء الأعلى من قمته، في الوقت الذي كان الجسد فيه مختفياً تحت الماء ملتحفاً بدثار من موج غريني أحمر ثقيل لم يسمح إلا برؤية سواده الممتد على هيئة ظلال طويلة تنبثق في إطلالات متواترة من عمق الماء.
-إنه أحمد.. لا أحد سواه.. إنني أعرفه.
قتل ورميت جثته في عرض النهر،
وهناك سيرسو عند الغابة حيث
منعطف النهر إسوةً بآخرين.
بذلك وضع أحدهم فمه على إذن رفيقه وأسر إليه بينا سحبت امرأة أخرى من يدها وحاولت دون جدوى أن تنسل بها بعيداً عن تدافع الحشود، وكانت أفواج أخرى من الناس ازدحمت على الجسر، أو تجمعت على الشاطئين عند الحدود التي تسمح بها ضفتا النهر اللتان ازدحمتا بما نبت عليهما من نبات وحشي من بردي وقصب ونبات آخر غريب وهمست لها:
-تعالي يا أخيه.. إنه المجنون الذي دوخ المدينة بأفعاله الغريبة، غراماً بغريبة ابنة الحلاج.
ردت الأخرى مؤكدة ظنونها:
-آه.. هو ذلك. انظري إلي شعره الكث وجسده الذي ناء بثقله الماء.
ثم بعد فترة من الصمت استدركت هذه منقلبة على ظنونهما الأولى:
-وما يدرينا، فلربما هو محمود
..ذلك الذي أورث المدينة حزنها
المستديم، غناء على أخيه القتيل.
انقطع الحديث بين الرجلين، كما انقطع بين المرأتين، بل إنه قطع لما صار يفصل بينهما من جدار بشري كلما أراد فرد منه أن يفرد لنفسه مكاناً خارجه، وجد نفسه في المكان ذاته، وقلما كان هنالك من استطاع النفاذ إلى مكان أفضل، سور الجسر مثلاً.
على أن هؤلاء إن جمعهم جامع، فقد شتتهم كذلك وعلى حد سواء إذ لا يزال الشيء ذاك الذي تلتم عنده الأنظار جميعاً، وينبثق من عمق الماء من غير أن يفصح عن هويته ولما يزل ثقيلاً مكتفياً بذاته، نائياً نأياً صامتاً عن اندفاعات الموج وتيارات الريح ورغبات الناس، لايزال جثة، شيئاً، أحمد، سالماً، علياً المجنون، حماراً، خروفاً، وحتى وهو يقترب الاقتراب المتثاقل، الذي هو عليه منذ لحظة اكتشافه، فقد ظل مبهماً وعصياً على الإدراك.

ولعل من قبيل المفارقة التي تزري بالمنطق، أن تترافق أخيراً مع اقترابه من سور الجسر بعد ذلك التثاقل المريب، سرعة غير مألوفة تحمله عليها تيارات وريح وموج تقذف به إلى ما تحت الجسر وتضرب عيون الناس وتحملهم على ليّ أعناقهم ولف أجسادهم في تهافت مضطرب مخبول نحو الجانب الآخر للجسر.
هنالك على امتداد الضفتين كان الناس يمارسون تطلعهم ذاك الذي بدأوه منذ لحظة تجمعهم بل إنهم للحرية النسبية التي أتاحتها لهم فسح المكان، كانوا يتابعون الشيء ذلك منقادين في حركة تتناسب مع حركته البطيئة، في الوقت الذي صاروا فيه يشعرون بالغلبة على أمرهم لبعد المسافة بينه وبينهم، على عكس ما هو عليه حال أولئك الذين استحوذوا على الجسر. أما وقد اختفى الآن فقد مكثوا واجمين.
في الفترة التي اختفى فيها وساد الناس ترقب جديد حول النقطة التي سيظهر فيها انقطع حبل التوقعات وخيم على الجميع صمت ثقيل ما كان يقطعه سوى بعض تأوهات ودمدمات، إذ من ذا الذي يستطيع أن يقول شيئاً عن شيء لا يعرفه ولا يعرف أي شيء عنه، وفي اللحظة التي صار فيها أقرب إلى اليد وأقرب إلى العين؟
بينما كانت فترة الانتظار تطول على الجميع، وتدفع بهم إلى معاناة ولوعة لم يعرفوا لهما مثيلاً من قبل، اندفع الشيء ذاك من خلف الجهة الأخرى للجسر متهادياً ثقيلاً صامتاً مرة أخرى، يعرف فضول الآخرين ولا يفرج عنه، إنما وقد وجد النهر ثانية ينضم عليه ويكتنفه في موج عنيف كانت تضخه بوابات الجسر، مضى سادراً مغيباً ومخيباً ظنون الجميع، الأمر الذي حمل أحدهم وقد انتهى إلى أن هذا صار مأخوذاً بموج ومدفوعاً من ريح، مهما كان ذلك الأخذ وهذا الدفع ولسوف ينأى ويختفي قبل أن يعرفه أحد وسيكون بالتالي همهمة على شفاه ميتة وسؤالاً مضافاً إلى أسئلة .. إلى أن ينبري هاتفاً بالناس:
-أيها الأخوة.. أيها الأعزاء.. تفرقوا.. وخير لكم أن تتفرقوا.. فإن كان هذا عندي أحمد، فهو عند آخر علي، وهو عند ثالث حصان أو غزال، وهو عند امرأة سمعتها تناجي أختاً لها ربيع عشيق غريبة ابنة الحلاج، ثم إذا هو هذا أو ذاك، سالم أخي أو محمود أخوك مثلاً، فما جدوى هذا الترقب ولماذا هذا الانتظار؟ ليقذف أحدكم بنفسه ويتقدم منه ليعرفه وليكفنا عناء هذا التجمع المقيت.. كان ربيع الذي اعتبر مجنونا يعشق غريبة ولا يكل من تمجيدها.
سكت لحظة يستجمع فيها شجاعته بعد أن غصّ صوته بعبارة فيها بكاء، ثم تابع:
-كان ربيع ذاك يعشق غريبة عشقاً جنونياً.. نعم.. ينظر إلى أطراف أصابعها فيقول تلك هي أغصان قلبي، ويرنو إلى خطواتها كما يرنو (السليم) إلى الشفاء فيهمس: ما أعذب رفرقة الطيور.. يترقبها ليل نهار ويقص على مسامعها أطراف الحقيقة فتطير. لقد طارت غريبة بجدائلها السود مرة ومرتين حتى إذا مرت من فوق مستنقعات المدينة تمنت لو تحولت إلى بساتين كروم.. لقد قتل ربيع بعد أن اعتبر مجنوناً يعبث بالمدينة، وقتلت غريبة بعد أن اعتبرت زانية.. ربيع صديق قلبي وغريبة أختي، وتباً لهذا النهر كم ضَيّع وكم أخفى وكم ازدرى بأولئك الذين رسوا عند غابته فتركهم فريسة للضباع.
أول وهلة لبث الناس منشغلين عنه فلايزال الذين ظنوا الشيء ذاك أحمد ظلّوا يظنونه كذلك، فما برحوا يتابعونه، وكذلك الذين ظنوه سالماً والذين ظنوه علياً، وحتى أولئك الذين ظنوه غريبة وتلك هي طافية علىبطنها والذي يلوح منها هو جدائلها السود ومؤخرة رأسها، وطنوا أنفسهم على ظنهم وكانت غريبة موضوع همهم واهتمامهم.
غير أن الناس بعد أن رأوا الرجل يمضي نحو الساحة الصماء، يقف وراء عربته الخشب ويضرب بصوته الحاد فراغها الأجوف، منادياً على سلع أكلتها الشمس وملأ فراغاتها الغبار، ومضى من الوقت ما مضى وقد تصلبت شرايين سيقانهم وجفت آبار عيونهم وتعبوا ويئسوا من معرفة الشيء ذاك أي معرفة، ولاتزال الريح تلهب أجسادهم بسياط باردة تنغرز في اللحم وتنال حتى العظم، تفرقوا وتباعدوا بعضاً عن بعض فرادى وجماعات.
انسحب الذين ظنوه ساق شجرة أو كتلة من قش ضخمة ملتفة على نفسها أولاً، ثم تبعهم الذين ظنوه حماراً أو غزالاً أو خنزيراً ثانياً، فيما راح ينسحب ولكن بعد لأي أولئك الذين ظنوه علياً أو أحمد أو محموداً، وسوى الذين ظنوه ربيعاً أو غريبة كان ثمة رجل سقط كتابه من بين يديه، مكث يتابع معهم أولئك الذين كانوا مثار ظنونه هو الآخر وأحزانه كذلك.

حنون مجيد .. قصة قصيرة : بيت الفئران


أغلب الظن أننا لم نكن فعلنا حسناً حينما انتبهنا إلى أن الفأر الأول الذي ظهر في بيتنا لم يكن فأراً، إنما نقطة ضوء كشفت ما كان متراكماً تحت سرير نومنا من تراب وغبار، واكتفينا أخيراً بتنظيف البقعة منهما وفتح نوافذ البيت.
كذلك الأمر، حينما أطلقنا سراح الآخر الذي ظهر بعد حفيده بعشر سنوات وإذا كان الأول قد فاجأنا بظهوره المفزع الذي بلبل وحدتنا وهزّ سكوننا، وجعلني أتهم هذا بالغفلة وذاك بالتقصير عن ملاحظة ما يدخل البيت أو يتراكم فيه، فإن الثاني جعلنا نتراخى عن اتخاذ عمل يستحقه من قتل بالنفط أو بالماء الحار، حتى غلب علينا قرار أطفالنا بإطلاق سراحه في ساحة كبيرة تبعد عنا بعض البعد، قبل أن نسمح لصوت كاد ينبثق منا يدعونا للاحتفاظ به في مصيدته وإطعامه إلى أن يشاء الله له ما يشاء.
حسناً، قلنا، إن الفأر إذا أبعد عن بيته فلن يعود إليه كما هو حال القطط والكلاب، سيما إذا كانت المسافة الفاصلة بعيدة ويتخللها الكثير من الأبنية والفراغات، وإن أحداً لم يجرب في حياته مرة واحدة أن يبعد فأراً ليراقب حركته وسلوكه، وفيما إذا كان سيقطع المسافة لمكمنه أم لا، بل لعل الأرض بما وسعت ستكون ملكاً لحريته ومرتعاً لهواه، يختار منها ما يشاء ويترك ما يشاء.
على أن الفأر هذا الذي تصفه الكتب والكتاب بالقزامة والقماءة غالباً ما ضلل الناس وعاش بينهم، ثم إذا اكتشفوه من دون أن يعلموا شيئاً عما صنعه بأشيائهم، عطفوا عليه وتوسلوا – على نظراته الدقيقة المسترحمة- الرحمة والرأفة به وأطلقوا سراحه.
وهكذا فقد أحسسنا بالراحة عندما حكمنا على الفأر الثاني بالنفي إلى ساحة أشبه بالجزيرة، وعدنا إلى ممارسة أعمالنا يحيط بنا الاطمئنان بل السعادة التي تعقب العفو عن لص صغير ابتغى السطو على زهرة من حديقة البيت.
غير أن ما بدد اطمئناننا وسعادتنا جداً، هو عودة ذلك الفأر – أو هكذا ظننا- قاطعاً المسافة الطويلة بينا وبينه من دون أي استئذان أو اعتبارولم يمض على موقفنا المتسامح منه سوى بضعة أيام.
وإذ أحدث ظهوره بلبلة لم تكن حصلت بيننا مثلها من قبل، فإن آراء جديدة من آخرين منا برزت تقول، ومن أدراكم أن الفأر هذا هو ذلك الذي أطلقنا سراحه وليس فأراً آخر دخل بيتنا من الجيران أو هبط من السماء أو حتى ظهر من داخلنا، من زوايا ودهاليز هذا البيت؟
ولما لم يكن أحد منا يملك أي دليل على هوية هذا الفأر، وفيما إذا كان هو ذلك الذي نفيناه أم غيره، ما دامت الفئران جميعاً على هذه الشاكلة من الشبه الشديد بحيث لا يمكن تمييز فأر من فأر، فقد التمسنا العذر لكل رأي ومكثنا حائرين نتوسل الوسيلة التي نقبض بها على هذا الفأر الجديد.
من حسن الصدف، إننا لم نُعد المصيدة إلى أصحابها لما ساد حياتنا من هدوء بلغ بنا نسيان كل شيء يتعلق بالمصيدة والفئران، فألقمناها من جديد جلدة هزيلة من قصّاب كانت لنا معه مزابنة ذات يوم بعيد.
كنا نقول، بل جعلنا نتسابق إلى القول، إن وقوع الفأر في الفخ سيثبت لنا أنه فأر آخر جديد أو غريب، وليس ذلك الذي عفونا عنه قبل أيام، انطلاقاً من اعتقاد عائلي يقول: إن الفأر لا يلدغ من مصيدة مرتين، وعلى هذا يكون علينا أن نحسب لهذا الأمر أكثر من حساب، من أين أتى، ومن أي جهة بالضبط وفي أية كيفية دخل البيت أو من أية زاوية من البيت خرج، وكم وراءه من فئران، ولماذا ظهر الآن ولم يظهر من قبل، ثم لماذا تغدو الفئران وتروح في هذا البيت دون غيره من البيوت؟
حقاً.. لقد أيقظ فينا هذا الفأر أسئلة ما كانت تراود أذهاننا قبل الساعة، وفتح عيوننا على البيوت الأخرى، وهل عساها شغلت يوماً بما شغلنا به قبل سنوات، ثم قبل أيام ونشغل به اليوم؟
لم تكن ثمة أجوبة قريبة أو محددة عن أي سؤال، ذلك أن أحداً لم يطرق بابنا يوماً يشتكي فأراً ظهر في بيته أو عبث بفراشه، كما أننا لم نحدد هوية هذا الفأر لنترك أعمالنا ونشغل به أنفسنا بعد أن أعددنا له سلاحاً مجرباً يتكفل به ويجنبنا شره بعد يوم أو يومين، وعلى هذا وذاك وفي إطار قلق لا يمكن إنكاره، واستكانة تراود كسلنا وتغازل نزوعنا الفطري إلى الدعة والسكينة، بتنا نترقب اصطياد الفأر.
ومن يستطيع أن يفسر كيف ساد البيت هدوء ما عرفه من قبل، شابه ترقب صامت حسبنا معه، أن من حسنات بعض الشرور الصغيرة أن تحمل الإنسان على إتيان أشياء حسنة لم يكن مارسها في حياته، من قبيل المشي على رؤوس الأصابع أو التكلم همساً أو بالإشارات أو الامتناع عن الصعود إلى الطابق الثاني الذي وضعنا المصيدة في واحدة من غرفه، في جلبة وصخب.
كنا شاهدنا الفأر أول مرة قبل الغداء، أما وقد تناولنا غداءنا ومضى على ظهوره بعض الوقت فقد شاهدناه ثانية يهبط السلم مسرعاً وبمحاذاة جدار غرفة نوم الأطفال ويدس جسده الهزيل في كوم الأحذية التي تراكمت أسفل السلم ويختفي هناك.
ولما عرفنا بعض المعرفة قدرة الفأر على المراوغة والتضليل، فقد انتشرنا هنا وهناك وكل ينتظر دوره للإمساك به والعثور عليه، مع الأمل بأن مصيره إن نجا من أيدينا سيكون في الأعلى حيث تنتظره مصيدة جربنا قدرتها الفائقة على الإطباق السريع.
-2-
كان صباح اليوم الثاني، وقد طال انتظارنا، أشد وطأة علينا من اليوم الذي سبقه، إذ نهض كل منا، يحمل همه الخاص وهم الفأر. فلقد أصبح هذا حقيقة راسخة مثلت أمام أعيننا مرتين صارت المصيدة إزاءهما أقلّ توهجاً، وانطفأ في أذهاننا ذلك التعلق الأصم، ليس بكفاءتها على الإطباق المحكم على من يدخلها وحسب، وإنما بقدرتها على إغواء من يقترب منها بعد أن كانت تتوهج بإغراء سحري أضفيناه عليها إضفاء الحائر المعوز، وبناء على متانة صنعها ونجاحها السريع كما حدث في المرة السابقة.
على أية حال ونحن في طرقنا للانتشار في الأرض، أنا لعملي وزوجتي لوظيفتها والأولاد لمدارسهم، صرخ أحدهم:
-ابتاه.. الفأر..
انعطفت أجسادنا نحو النقطة التي أشار نحوها فألفيناه يرتقي السلم بخطوات من نفذ واجباً أو رفع عن نفسه كلفة وعاد إلى مكانه خلي الذهن مطمئن البال، يستخفه فرح وتحف به سعادة.
وساءنا جميعاً أن نشاهد فأراً ليس غير يفلت من اثنتي عشرة يداً، فيربك خواطرنا ويلقي بالحيرة على نفوسنا، ثم ما إن يصعد إلى الأعلى حتى يعود يهبط مرة أخرى- إن كان هو ذاته وليس غيره- يغازلنا أو يتوعدنا، لم نعد ندري، بنظرات مسمارية سود ويختفي في لحظة قصيرة بعدأن كنا تابعناه متوجهاً نحو غرفة الأطفال.
إذن كان الفأر هذا يعرف وقت انصرافنا إلى أعمالنا ومدارسنا، ويدرك بالتالي حراجة موقفنا في لحظات كالتي نحن فيها الآن، فغادرنا البيت مرغمين قبل أن يدركنا الوقت، وتركناه له ينقب أو يثقب فيه كيفما يشاء حتى يقيّض الله لنا أو للمصيدة فرصة القبض عليه.
وأذهلتنا المفاجأة، بعد أن عدنا، وجمدت نظراتنا على وجوهنا في عتاب ولوم ساخرين إذ وجدنا المصيدة قد أطبقت مرة واحدة على ثلاثة فئران.
لم نكد نحدق جيداً حتى كانت المفاجأة أشد حينما لفت نظرنا خيط دقيق من دم أسود سال وجمد على رقبة فأر منها، فيما كان آخر مرتمياً جنبه ممزق الجسد منثور الأطراف.
إذن، لقد قتل هذا الذي يرتكن زاوية وينظر إلى عيوننا نظرة الاستسلام، قتل الاثنين في صراع دموي على جلدة اللحم التي اختفت، لا بد، في جوفه بعد أن زاحمه عليها الآخران.
-يا للغرابة!
هتف من هتف وقد تحركت دماؤنا وشاعت فيها حرارة تجاوزنا عليها اللوم الصامت والكلام الأخرس وما همهمت به القلوب ومات على الشفاه.
-عجباً، إن ثلاثة فئران تدخل مصيدة مرة واحدة أمر لم يحدث من قبل، وكم يا ترى خلّفت وراءها، وكم من أخريات، وكم من مصيدة يحتاج إليها هذا البيت إن صدق الظن. انبرت زوجتي تقول.
مقابل ما ظننا أن الفأر بدأ يشعر به، كنا نشعر نحن أيضاً، إذ أُسقط في أيدينا، وما عاد أملنا معلقاً على مصيدة أو مصيدتين.
تركنا المصيدة على حالها، فما بدأ يعنينا الآن هو أن نعرف إن كان في البيت غير هذه التي تحت أنظارنا من فئران.
-عليكم بغرفة الكتب ودهاليز المكتبة وأكداس الصحف والمجلات الصفراء.
أضافت في نبرة غضب فضحت امتعاضها مما كان عليه حال غرفتي التي هجرتها لحرارتها صيفاً، وبرودتها شتاءً.
-ولا تنسوا غرفة الفراش.
كذلك هتفت أنا الآخر، معبراً عن برمي بغرفة مجاورة لغرفة مكتبتي أطللت يوماً على عبث الأطفال فيها وساءني أن يتسرب إليها من زجاجة محطمة فيها غبار وتراب.
وعبثاً حاولنا كتم صراخنا على مشهد أفراخ الفئران التي ترقد بين الكتب وفي الزوايا والأدراج.
وعبثاً جربنا ضبط أعصابنا على الكتب المقروضة والرسائل الملتهمة، وعلى بقايا ما كان يشكل تَلاًّ من صحف ومجلات ذهبت تحت أسنان دقيقة نفذت إليه من نقطة من أسفله حتى لا تكتشفها العين وبدأت تقرض فيه، ولم تبق منه غير كوم من قصاصات صغيرة تشبه نشارة خشب قديم.
وإذ لم نجد ما بوسعنا فعله بإزاء ما فعلت فئران لم تجد في بحبوحتها الإ قرض الورق، انعطفنا نحو غرفة الفراش ليهتف من كان أسرع منا، أن أسرعوا بعد أن رفع الأفرشة التي احتفظنا بها لأغراض ضيافة لم تتحقق منذ سنوات.
لم يكن عجبنا في هذه الغرفة بأقل منه في التي سبقتها، فلقد روعتنا الثقوب والأضرار التي أحدثتها في الأفرشة فئران لا عد لها ولا حصر، جعلت تتقافز فوق رؤوسنا أو تتسلق الستائر والأفرشة، ثم ما تلبث أن تقذف بنفسها لتختبئ في الزوايا والأركان، وقد هالها هذا العدد غير المرتقب من الناس.
وعدا هذه لبثت أفراخ شبه صماء شبه عمياء تنام مطمئنة في زوايا خبيئة مفروشة بنثار من ورق وقطن وصوف، وكما لو كانت قطعاً من الفراش الذي نامت عليه.
وما الذي بمقدور أحد أن يفعل لنفسه في مثل هذا الحال غير الاستسلام والنظر هنا وهناك تائه الفكر مضطرب البال يفكر في ما عسى أن يفعله بنفسه أو ما عسى أن يقدم إليه الآخرون. لقد عقدت ألسنتا وتراخت أعصابنا، وباستثناء كلمات فكرنا بها أو تداعت على عروق ألسنتنا؟ (لِمَ كل هذا، وأين كنا من هذا؟) فلم نقل شيئاً.

ولئن توقعت ما سوف يسفر عنه صمتنا وذهولنا من إضاعة للوقت وترسيخ للغفلة والكسل، فقد أعلنت عن وجوب إخراج الكتب مما ضمته المكتبة والصناديق، وكذلك نشارة الصحف والمجلات ورميها جميعاً في حديقة البيت، ثم أضفنا إليها الأفرشة التي غدا أمرها مخجلاً لا علاج له أو ميئوساً منه وأشعلنا النار.
فإذا شم الجيران رائحة الحرق وامتلأت صدورهم بالدخان وتحلقوا حول البيت مأخوذين لا نرى منهم سوى عيون ملتهبة تتسلق وجوهنا من وراء سياج، أطفأنا أسئلتهم بأعذار شتى:
-إنه شيء خاص.
-إنها أشياء فائضة عن الحاجة قررنا التخلص منها.
-لقد اتسعت عائلتنا وما عادت الغرف تكفينا.
-ما يحترق شيء تافه ورخيص.
-3-
كان حزني أشد الأحزان.. ففضلاً عما فقدته من رسائل حب قديم عطرتها ذكريات لا تنسى، وكتب ثمينة لا أستطيع تعويضها، فلقد كنت أشاهد قصصها الجميلة وأحاديثها المترعة وصور قديسيها وشهدائها تتضرع ملتاعة أو تتلوى حزينة دون صوت، دون صدى تحت لهيب النار.
ما كان شيء يوازي حزني هذا سوى همّ التخلص من فئران كأرتال الجراد بدأت تهبط السلم لتتسرب هذه المرة نحو غرفة المعيشة والمطبخ وغرف النوم، تتسلق الجدران وتتعلق بالستائر وتقتحم صناديق الساعات، توقف العقارب وتطل من خلف الزجاج، تقول بعيون ماكرة لعوب، تذكرنا بما كان ينبغي علينا أن نفعل قبل عشرين، أو قبل ثلاثين: أخرجوا من هذا البيت

حنون مجيد .. قصة قصيرة : نتــوء


كان عليها أن تتردد كثيراً أو قليلاً قبل أن تضع يداً وانية تمس بها كتفه مساً رقيقاً وتقول بصوت واهن كالخيط.
-محمود يا محمود.
ذاب صوتها في الحلم العميق وتلاشى في طبقات عز النوم واختفت اليد التي كانت تتوسله في الظلام.
هبطت إلىالجانب الأرضي واضطربت الصور في عينيها وتمنت ما تمنت، لكن آلامها وهي تستبد بها وتنبؤها بولادة مبكرة ويدهمها خوف ما بعده خوف تحفزها على أن تعود ترتقي السلم وتلقي عليه نظرة وجلة وهو مسترخ تماماً وتناديه بصوتها الواهن ذاته:
-محمود يا محمود.
انتظرت لحظات عاصفة وكررت:
-محمود، محمود.
فتح عينيه على خط باهت من نور الفجر يخالط ظلمة الليل، وعجب منها هي المرأة الذكية تجرؤ عليه فتوقظه لايما سبب في مثل هذا الوقت والمناسبة عطلة خاصة والفصل صيف.
كاد يعود لنومه لكن عجبه أزاح عن نظرته غشاوة النعاس فاشتد وعيه بها وتجلت صورتها لعينيه وقال:
ماذا؟
قالت وهي لما تزل ترتجف وجلاً.
-أشعر بآلام.
لم تقل آلام الولادة إذ كيف تقول ذلك وهي التي أردفتهن أربعاً رأساً فوق رأس، ثم كيف تقول كلاماً عن شيء لم يجر الكلام عليه إلا نزراً طيلة أشهر انتفاخ البطن، وكأنه ذنب لا يلتمس إن تحرك إلا أغوار الهمس وأغوار الظلام؟
نهض من فراشه وكان يود لو أنه يسمع الآن غير هذا الذي تقول ويرى غير هاتين اليدين اللتين تلامسان أسفل البطن أو تتحولان نحو أسفل الظهر.
هبط السلم وقد قهر نفسه على الهبوط بسرعة وارتدى ملابسه وخرج إلى الشارع العام بانتظار سيارة أجرة تنقلهما إلى المستشفى.
كان الشارع جديداً خالياً إلا من أعمدة تحمل في نهاياتها المقوسة مصابيح تنث نوراً أبيض، يشع في مدى محدود، ويتلاشى كلما امتد نحو مدى أوسع غارق في غبشة الفجر.
كانت تقف على عتبة الباب متأخرة عنه بضع خطوات، تحاول أن تستمد من آلامها شجاعة ما لتقول هيا، فتصطدم بالشارع الموحش وتراثها المقهور.
شعت من أقصى الشارع أنوار سيارة كانت سرعتها تزداد مع الرغبة الملتاعة حتى مرت من امامهما محملة بجنود.
-إنني أتألم يا محمود.. أكاد أموت.
قالت ذلك وهي لا تعرف من أية زاوية تمسك بالألم الذي يمزق أسفلها، تطايرت عيناها إلى يمين ويسار وهي تختلج على دفقة لزجة ساحت من بين فخذيها فتأججت رغبتها في أن ينقلها على جناح طير أو نسمة ريح وقد بدأت تدرك بيقين لا يرتقي إليه شك أن مثل هذا الألم لا يعرفه وقد لا يصدقه الرجال.
ولاح لها الأمل في عينين كبيرتين متوهجتين انبثقتا من جوف فراغ معتم بعيد، حتى إذا مضى زمن بثقل الرصاص، بان الجسد الحديدي متباطئاً ثقيلاً محملاً بعمال مبكرين يتوسدون أكتاف بعضهم البعض، ويواصلون نومهم على هدهدة الجسد القديم.
كان الرجل- والأمل في الحصول على سيارة أجرة في هذا الشارع المقفر يتضاءل في عينيه والألم الذي يتبدى على وجه زوجه يتضاعف بالتدرج- يقف على أعتاب حيرة لم يعرف مثلها من قبل إذ ما الذي بمقدوره أن يفعل وما الذي كذلك بمقدور سواه؟
بدأت المرأة تولول وكانت تحس أن الوضع يدركها، وأن مع القادمة المجهولة إن لاحت بعض الأمل وإلا فقد يتقرر مصير هذا القادم الجديد على تراب هذا الشارع دون ريب.
وكما لو أن الإحساس بالأمل ولو بوهن شعرة لا ينبع إلا من يقين داخلي حتى لو كان بعيداً بعد السماء، فقد لاحت سيارة أجرة قديمة من جهة اليمين ومن حيث لم يتوقعا، إذ كانت السيارات تخرج عادة من المدينة الصغيرة نحو المدينة الكبيرة تنقل العمال والموظفين والجنود وليس العكس، وكانت هي الأخرى لا يبدو على سائقها انتظار أو توقع أجرة ما، لكن يده المتحفزة تطاولت كثيراً حتى سدت الشارع ومنعت على السيارة وسائقها رؤية الطريق.
توقفت السيارة لحظة ثم استدارت على صوت الرجل يهتف بالسائق حاداً ملتاعاً، إلى المستشفى، إلى المستشفى رجاء، ثم لم تمض ثوان حتى انطلقت في شارع يبدو لعينين أخريين كنهر ساكن مستأنس بنور الفجر.
فيما كان الرجل يتطامن ويحمد الله على أن السيارة جاءت في وقت كاد يخيب فيه الرجاء كانت المرأة تجاهد وتتصابر وتصوت وتموء.
-آه يا محمود.. دعه يسرع.
سوف ألد يا محمود..
وفي الوقت الذي كانت فيه تتحفز لكي تفعل شيئاً لم تنس أن تدعو ربها أن يكون المولود ذكراً.. ذكراً لا غير، وكانت تود لو تطير.. لو تخترق جسد العربة لتحط على سرير أي سرير، أو لو أن يداً نبوية تمتد إليها، تمسح عنها هذه الآلام التي ما برحت تشتد وتثقل عليها حيناً بعد حين.
شعرت بجوف السيارة ينضم عليها ويحيط بها وهي تلتف بثيابها وتتأهب بإيمان مطلق لرحلة لم يكن يخطر في خيالها أن بمقدورها وحدها أن تقوم بها أو تحدث لها على مثل هذا الحال.
وتركت كل شيء يسير لحاله فلا هي الآن تطلب من السيارة أن تطير، ولا من زوجها أن يفعل المستحيل، ولا من سرير أي سرير أن يقدم عليها على هيئة بساط ريح..
لقد تحول مقعد السيارة إلى سرير، والسيارة ذاتها إلى مستشفى، وهي ذاتها وقد ارتفعت فوق آلامها إلى ممرضة وطبيب، وهكذا في دفقات كانت تساعد عليها مطبات الطريق انزلق الذي سيسمى رجلاً فيما بعد.
وفيما هذا يستقر تحتها محوطاً بكتل من لحم ودم قبيل أن تقف السيارة عند عتبة باب المستشفى، ولكي تنام نومها الهادئ السعيد كانت يدها تمتد خافقة نحو فخذين طريتين لزجتين تتحسس ما كان يرقد بينهما من نتوء صغير صغير.

حنون مجيد .. قصة : فـن

فن : قصة قصيرة
صحيح إن طعام الغداء أتخم الرجل، إلا أن استدعاء طفلته الوحيدة كان لأمر آخر انطلى باطنه عليها فهبّت لنجدته، هي التي تمنعت عليه ساعات.
تمدد الرجل على بساط مفروش على أرضية الغرفة، تحت شمس خريفية نفذت من خلال شباك واسع،وصاح بصوت مسرحي اكتّظَّ بالتأوهات!
-ندى.. آه.. ندى.
تركت ندى قطتها التي ابتنت لها عشاً حفرته على جدار غرفتها، وأطلّ من خلف الباب وجه مدور صغير، تراقصت فيه عينان سوداوان ماكرتان.
حسب الرجل أن مهمته ستكون شاقة إن لم يتصنع الجد ويستغيث من جديد:
-ندى.. معدتي يا ندى.. الألم يخترق معدتي.
في غمرة تردد مضطرب، تراءى لندى أن قطتها إن سقطت من جدارها فلسوف تتحطم عيناها الزجاجيتان، إن لم يدق عنقها وتموت، فردّت على استغاثته بصوت حازم جاف، ونظرها يستلقي على بطنه الذي ارتفع قليلاً لمقدار ما تناول من طعام:
-وماذا تريد؟
أغمض عينيه وبسط جسده، وكرر استغاثته معبراً عن ألم صادق ومصطنع معاً:
-تعالي.. ضعي يدك على ألمي، وادعي لي بالشفاء.
وخيل إليها عبر عقل صغير ورؤية ضيقة، أنها تسمع الصدق كلّ الصدق، فانصاعت لأمره وهو الذي صدع نفسها حين قرّعها بكلام جاف، بل إنها وجدت خطواتها تتسابق إليه.
دنت منه حتى صارت قربه.. قالت بغنج ودلال:
-أين؟
لعبت على شفتيه ابتسامة رقيقة، لكنها كانت تخفي من الموج أكثر مما يخفي سطح البحر، وأومأ لها، هنا، ووضع يده على منتصف بطنه نحو الأعلى حيث يكمن الثقل حقيقة.
وضعت ندى التي لم تتجاوز الثامنة، يداً رقيقة على المنطقة حيث أومأ، فسرت في جسده المشبع بالضيق موجة برد ناعم لذيذ سرعان ما انتقلت إلى نفسه فأشاعت فيها هدوءاً كان، لفرط رخائه، يتمنى لو يلثم اليد التي حطت عليه.
بدأت الصغيرة تقرأ سوراً قصاراً مما حفظت ولم تحفظ في مدرستها، وتهمهم بأدعية بصوت خافت كالهمس يشفّ عن انفعال صادق، وكانت تقترب من نفسه اقتراباً ساحراً مضى يتعمق كلما تقدمت اللحظات.
ومرة بعد أخرى كانت تعيد همساً طرياً ناعماً من دون أن يتخلل صوتها ما يشير إلى ضيق أو نفاد صبر، حتى إذا شعرت بكفاية ما قامت به توقفت.
وأحسّ بأنها لم تكن قريبة منه القرب المنشود، فلا زالت يدها على النقطة ذاتها، ولايزال جسدها متباعداً عنه ملتماً على بعضه كما لو أنها تهاب أن تمسّ به جسده، وكان يطمح أن يسكن قلبها فوق قلبه، يسمع نبضه ويحسّ دفق دمائه، لذلك قال بصوت جهد أن يكون واهناً مجروحاً:
-أعيدي ما كنت تقرئين، فلا يزال الألم يؤذيني.
وخيِّل إليها أن قطتها قد سقطت على الأرض وتحولت إلى شظايا زجاج دامية، وأن دماً حاراً قد يكون أخذ مجراه نحو دمى تركتها وسط غرفتها ليغير ألوانها الطيفية نحو لون واحد شدّ ما كان يذكرها بدم نزف من يدها حينما جرحت إثر لهو غافل مع قطتها ودماها.
ضغطت على النقطة حيث كانت يدها تستقر، فأرسل يده ووضعها برفق وئيد فوقها، وفي سرية تامة، وشيئاً فشيئاً زحف بها.
وكررت همسها.. وبالاستغفال ذاته واصل السحب للأعلى فصارت اليدان فوق عنق المعدة تحت مثلث الصدر، ثم وهي تتابع همسها مالت اليدان جهة القلب واستقرتا عليه، ثم ضغطت يده في قوة محسوسة، هذه المرة، على يدها لتلامس موقع القلب حتى لكأنها تحاول أن تنفذ إليه.
مال جسد الصغيرة نحو جسد أبيها.. لقد غشيها السحر هي الأخرى، ولم تعد تتبين في دوامته آثار عاصفته على قلبها الصغير، واستكانت لحرارة جسده حين استقر صدرها على صدره.
كادت تأخذها غفوة على صدر واسع مستكين، بل أخذتها إغفاءة حالمة قصيرة حلقت بها نحو أب جميل وطفلة بثوب أبيض هفهاف تحاول أن تثير فيه ضحكاً مستديماً بدغدغات متواترة، فيستجيب لها بنزق طفولي مثير ويتمايل ذات الشمال وذات اليمين، أو يكور جسده الضخم ليزحم به حضنها الصغير، فلا تستحوذ إلا على رأسه تعبث بشعره وأذنيه، ثم يفلت منها في حركة طارئة غير محسوبة ويرتمي بعيداً مثل رجل غريب يقبع في العراء يلّم أشلاء قطة وشظايا زجاج، فيلمّ بها حزن يقطع عليها رحلتها لتستيقظ مجفلة ولتفاجأ بأبيها مطرّداً في هدوئه، ساكناً سكون الأموات.
ووقفت على جسده في إطلالة حيرى مسكونة بفزع غير فزع ضياع حقيبة المدرسة أو مجموعة أقلام ملونة.
وأرهفت السمع لدقات قلبه.. وضعت أذناً مرهفة على صدره فتنبهت في حالة كشف سعيد إلى إغفاءته الصامتة ونفسه الهادئ الرتيب فأدركت أن أباها يغط في نوم مريح.
وتنفست الصعداء، وشعرت بحبور، وكما تغادر قطتها الزجاجية فراشها الوثير، سحبت على أطراف أصابع مترفة، جسداً مفعماً بخفة لا حدود لها، وغادرت الغرفة بهدوء.